سلايدرقضايا المجتمع

الثورة السورية والعشيرة

مع انطلاقة الثورة السورية، وبدايات تشكّل ما يسمى “المجالس العسكرية” والكتائب المسلحة، بعد الخيار العسكري والأمني الذي انتهجه النظام السوري ضد شعبه؛ طفَت على السطح مفردات كانت شبه محظورة في دولة البعث، من هذه المفردات؛ العشائر والقبائل السورية.

بحسب الأيديولوجيا البعثية، فإنّ الرابطة الحزبية أو العروبية هي البديل عن الهويات القديمة، كالقبيلة أو العشيرة، وإنّ الانتماء والولاء للسلطة والبعث يجب أن يحلا بدل الانتماء إلى العصبيات والروابط الدموية أو العصبية أو الطائفية.

بعد الانفجار السوري، وتفجر المكبوتات والمحظورات البعثية معه؛ عاد السوريون -كلٌ حسب دوافعه ومصالحه وانتماءاته ومعتقداته- إلى الإفصاح عن هوياتهم ومواقعهم.

– الإخوان المسلمون الذين كانوا بالأمس مقموعين وملاحقين عادوا وأعلنوا انضمامهم إلى الثورة السورية.

– التركمان الذين كانوا يُعانون التهميش عادوا وأعلنوا تأسيس كتائب عسكرية لهم، وأجنحة سياسية تمثلهم.

– العشائر العربية انقسمت إلى مجالس وشيوخ تُناصر النظام السوري وجيشه، ومجالس وشيوخ انضمت إلى ثورة الشعب السوري، وعادَت النظامَ السوري.

أصبحنا نسمع بـ “كتلة العشائر” و”ممثلي العشائر” و”شيوخ العشائر”، فهل يمكن لثورةٍ، يُفترض أنها ثورة تحررية، أن ترجع بالمجتمع إلى ثقافة العشيرة والقبيلة والفخذ؟!

هل يمكن لثورةٍ، يفترض أنها ثورة تقدمية، أن تطرح تكوينات ما قبل حديثة لبناء دولة حديثة؟

نسرد فيما يلي بعضًا من الفعاليات العشائرية التي جرت بعد الثورة السورية، لربما تساعدنا في الإجابة عن الأسئلة السالفة الذكر.

– نصّ البيان الختامي الذي نظمته 70 قبيلة وعشيرة، اجتمعت في (دير حافر) في 2 حزيران/ يونيو 2018، على التأكيد على “حق مقاومة الاحتلالين الأميركي والفرنسي في سورية”، وأنّ “المقاومة العشائرية هي رديف حقيقي للجيش العربي السوري”.

– نشر المكتب الإعلامي لـ (تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش) فعالية تظهر فيها مجموعة من شيوخ القبائل العربية في الحسكة السورية، تبايع البغدادي، وجاء في كلمةٍ أحد هؤلاء الشيوخ العشائريين أنهم سيقفون مع “راية الخلافة”، ضد هجمات “الطيران الصليبي النصيري”.

– كما نشر موقع (الدولة الإسلامية/ داعش) أكثر من لقاء مع شيوخ عشائر من العراق والشام، وهو يصفهم بالعشائر التي بايع شيوخها زعيمَ “الدولة الإسلامية” على “المنشط والمكره”!

– الشيخ نواف البشير (شيخ عشيرة البكارة) كان من أكثر المتحمسين للثورة السورية، وأخذ موقعه القيادي في الائتلاف الثوري، لثقل مكانته العشائرية في دير الزور، وتم عن طريقه دعم ميليشيات تزعم قتالها النظام السوري.

– الشيخ نواف البشير يرجع إلى سورية عام 2017، ويُصرّح على قناة (الميادين) بأنّ “99 بالمئة من عشيرة البكارة مع الدولة”، و”نحن نحشد العشائر للقتال إلى جانب الجيش السوري”.

– في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 عُقد في إسطنبول المؤتمر العام للمجلس الأعلى للعشائر والقبائل السورية، وصرّح الشيخ رافع الرجو، رئيس مؤتمر العشائر -وقتذاك- بأنّ “الولايات المتحدة صنعت الإرهاب، بدعم العصابات المسلحة من جبال قنديل، ونحن لن نذهب إلى مؤتمر سوتشي، ولن نتنازل عن مبادئ الثورة السورية”.

– آخر تلك المؤتمرات، مؤتمرٌ عُقد قبل أيام في مدينة إعزاز شمال حلب، بحضور عشرات القبائل ومسؤولين أتراك، وقيادات من (الجيش الحر) وشخصيات من الحكومة السورية المؤقتة، والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، حيث أعرب المشاركون عن دعمهم للعملية التركية شمال شرق سورية. شارك في المؤتمر الذي عُقد في مقر ديوان العشائر ببلدة (سجو) قرابة ألف شخص، بينهم 400 من الهيئة العامة للمجلس الذي تنضوي تحته 150 قبيلة وعشيرة، حيث تمثل الهيئة العامة العشائر العربية والتركمانية والكردية والسريانية، في مختلف أنحاء سورية، ومن بينها عشائر شمال شرق سورية.

هدفنا من سرد هذه المعلومات هو التأكيد على الحالة المنقسمة التي يعيشها السوريون، الانقسام السوري حالة لم يعد يقوى أحد على نكرانها، العنوان العريض الأبرز لهذا الانقسام هو ثنائية موالين للأسد، ومعارضين له، وما بين بين.

هذا الانقسام ليس بين موالين ومعارضين وحسب، أو سوريين أسديين وسوريين ثوريين، وليس هو كذلك بين شيوخ الكرامة وبين غيرهم من شيوخ العقل الذين يهتفون بحياة الأسد، وليس بين مسلمين علويين ومسلمين سنّة، أو بين مسيحيين معارضين ومسيحيين يحتمون بروسيا، وليس بين عرب سوريين وبين أكراد سوريين فحسب، أو انقسامًا بين مدينة وريف، أو بين حضر و”شوايا”، أو بين عرب وبدو، بل هو انقسام وصل إلى العائلة الواحدة بين الإخوة والأخوات.

وعلى الرغم من كل هذه اللوحة الأليمة والمزعجة من الانقسامات السورية، يصبح الحديث عن الطائفة والعشيرة والملة والقبيلة خطيرًا جدًا، وعلى الرغم من براءة الطرح أو حسن النية، لا يمكن تأسيس عقد اجتماعي حديث على مفردات غير حديثة، يمكن لسورية أن تستمر ككيان هش ومريض ومهدد، على أسس تكريس المحاصصات الطائفية والقبلية والعشائرية، ولكنها حتمًا لن تكون دولة حديثة.

تقوم الدولة الحديثة على صياغة الانتماءات الحديثة، من أحزاب وجمعيات وتنظيمات شبابية، وفق محددات حديثة لهذا الانتماء والولاء، ويمكن للأيديولوجيا أن تصحب أي فكر، وليس بالضرورة أن تهدد الأيديولوجيا الدولة، ولا سيّما إذا كانت الأيديولوجيا الحزبية تقوم على مبادئ عصرية، وتحترم الشرط الديمقراطي في الممارسة السياسية، ولكن أن تكون الدولة عن طريق تشكلات ما قبل عصرية، فهذا لن يقود إلا إلى مزيد من الاقتتال والتقسم والانقسام.

البرلمان العصري هو مجلس للأمة أو للشعب، ولا يمكن لدولةٍ، يمثل البرلمان فيها أقوى سلطة في الدولة، أن يأخذ بيدها نحو الفلاح؛ إذا هو قام على هويات ما قبل حديثة، من قبيل العشيرة وشيخها، والقبيلة وزعيمها، أو الطائفة ومرشدها.

إنّ خلق جبهة عشائرية ثورية، في مواجهة أكراد سورية، لن يكون في مصلحة أيّ من الفريقين، وإنّ المشترك السوري بينهما والشغل عليه وتقويته، لهو الخير لهما وللسوريين عامة.

آن للسوريين، بعد مليون شهيد وملايين المهجرين وعشرات المؤتمرات والهيئات ومئات البيانات، أن يشتغلوا على الالتقاء على الحد الأدنى الذي يحفظ سوريتهم من التلاشي والانقراض، وإذا كان الجوهر الطائفي في هذا النظام هو السبب الرئيس في الكارثة السورية؛ فإنّ الخلاص لن يكون إلا بخلق الجوهر السوري فينا، هذا الجوهر يقوم أساسًا على الإنسان السوري الذي يعيش من حوران إلى إعزاز، ومن الساحل إلى دجلة والفرات، إذا كان الجوهر الطائفي سببًا في موتنا؛ فمن المؤكد أنّ القبيلة والعشيرة والطائفة لن تكون سببًا في حياةٍ ناضل من أجلها السوريون.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق