أدب وفنون

مآلات النفي في ديوان (جنازة العروس)

ديوان (جنازة العروس) للشاعر عبد الكريم بدرخان حاز جائزة الشارقة للإبداع العربي عام 2013

كما جرت العادة في دواوين الشعر، بدأ الشاعر عبد الكريم بدرخان ديوانَه بالإهداء:

“وحدها الشمس

تذكِّني بنفس الكبرياء

إليكَ

أبي”.

بدأ عبد الكريم بدرخان ديوانه بتصفيات نفسانية، بينه وبين القصيدة التي كانت مطيَّته للعبور إلى المعنى المأمول، فصنع من حالة التبويب سلَّمًا يصعدها درجة درجة، ليصل في النهاية إلى المعنى العام لديوانه (جنازة العروس) وهو قصيدة في الباب الأخير المعنون بـ (يوميات الجرح السوري).

في (جنازة العروس)، ثمَّة فهرس مبوَّب، وفق ترتيب مآلات الشاعر النفسية، أربعة فصول تختزل الرماد السوري، الهشيم الذي أحدثته الوقائع في ذات الشاعر الراحل من ذاته إليه: (في المنفى- بيت الأرواح – عروس العاصي – يوميات الجرح السوري)

لكلِّ باب من أبواب الديوان قصائده التي تعبِّر عن معناه، ففي باب المنفى، قصائد معنونة بإتقان، كأنَّما الشاعر أراد لنفسه ذاك المنفى السيكولوجي والموضوعي، ليكتب تلك القصائد، في قصيدة (وجود) وهي القصيدة التي بدأ بها الديوان، وافتتح باب المنفى بها، نشعر ببدرخان تارة ظلًا يختبئ عند الليل، وثوبًا محاكًا بأوهامه، وتارة أخرى يبدو كأنَّه الوقت الفائت لنا قبل الإدراك، أو الصدى الممتلىء بالصراخ:

أحسُّ أنَّ وجودي لا وجود له

كأنَّني الظلُّ

عند الليل يختبىء.

مع ذلك، نجد أنَّ بدرخان لا يُخفي قلقه المغرق في الأوهام والأحلام الضائعة في المنفى، إذ ثمَّة حزن يلاحقه في كل الأمكنة، حتى لا يكاد يجد لفرحه موطئ قدم، إنَّه التعبير الأصرخ عن حالة المنفي عن وطن يسكنه.

ثم يتدرج بالقصيدة البكَّاءة، في باب المنفى، بعناوينها السبع (وجود – شاعر- قصيدة حزن- هذا المساء- سنة جديدة- بيت القصيدة- عندما تنتهي الحرب) على منوال التارك إرث القصيدة في مكان لمّا ينتهِ منه بعد، ففي قصيدته (عندما تنتهي الحرب) يستحضر -بكل ما أوتي من إدراك- مكانًا كان له الأثر الأكبر في ذاته، وهو القبور، كيف لنا أن لا نصدقه وهو الذي تخيَّل لقاء الحبيبة فوق القبور، ليبكيا معًا على شهقات الحجر، كناية عن بلدٍ مدمَّر، أن يقرن صورة الدَّمار والقبور بلقاء الحبيبة، فهو إعادة بناء لحياة كانت له في مكان ما:

عندما تنتهي الحرب

سوف أضمُّك فوق القبور

ونبكي شهقات الحجر

ربَّما وقتها

ربَّما سيفتح وردٌ

على شرفات المساء.

بعد باب المنفى، يفتح بدرخان بابًا آخر على مصراعيه، وهو باب بيت الأرواح، لعلَّ بدرخان من فئة المتعمِّدين بمياه الأمكنة، لا تفارقه أرواح من كان يحيا معهم بالفطرة، الطفولة التي نسجها ذاك البيت بأصابع الانتماء المذهَّب:

وكان لنا بيت

تركنا على جدرانه ملح دمعنا

وفوق مراياه وجوهًا تبعثرت

شظايا كما الذكرى.. رمادًا كما الوقت.

في قصيدة (أمي التي تحتاج أكثر من حياة) يستأنف مآلات الفقد، فيستحضر صورة الأم التي تبكي حرقة على من فقدت، حيث إنَّ المرأة السورية كانت الخاسر الأكبر في الرهان على أرواح كل من ينتمون إليها وتنتمي إليهم، فقد بكت الأولاد والإخوة والوالدين، وبكت الأمكنة الفضفاضة بأزمنتها الجميلة:

أمي تفتش عن زمان ضاع منه

يوم كانت وردةً قطفت أبي

وسقته من خمر الحبِّ

ممزوجًا بماء الأمنيات.

أما باب (عروس العاصي)، فقد كانت القصائد فيه مغرقة في الرمزية، من خلال المفردة الدالَّة على المضامين المتنوعة التي تقبل الإحالات، لعل تلك العروس هي مدينته حمص التي لم تغادره بمغادرته إياها، فصورها كمدينة أشباح يصعب سكناها، بعد أن هشَّمت الحرب آخر عظامها، ويبرِّر بذلك رحيله عنها، ولكن يظلُّ قلب بدرخان ينبض بالحنين إلى مدينته، النسغ الذي عبأ أوردته بروح الشعر حتى غدا شاعرها المنفي، فيطلب منها أن تقاسمه الأحزان، وتعيد له رداء الذكريات:

آه يا حمص

أترعي كأس أحزاني

لنقيس الأحزان بالأقداح

وأرجعيني

طفلًا وراءك يحبو

وافطميني على الشفاه الأقاح.

لعل بدرخان -بالفعل- قد اعتمد هذا الباب، وخصَّصه لمدينته، ففي قصيدة أخرى بعنوان (محاولات لرسم مدينة) يصفها بـ “الفردوس المفقود”، لا شائبة في ذلك، لأنَّ شاعرنا ابن الأمكنة وسليلها، ففي كلِّ كلمة في ديوانه (جنازة العروس) ثمَّة انتماء إلى حمص وإلى سورية، على الرغم من قساوة المشهد فيها بعد الحرب، ولاؤه للتاريخ لا ينقضي بمجرد المغادرة:

زمن

تسقط عن عورته أوراق التوت

حين يرصع (حمص)

على خشب التابوت.

وتبقى الخواتيم دومًا هي الزبد الذي يقذفه الكاتب من عصارة روحه، حيث إن قصيدة (جنازة العروس) هي إحدى قصائد الباب الأخير المعنون بـ (يوميات الجرح السوري)، الأدلة المعنى كافية لترجيح كفَّة هذه القصيدة ليختارها شاعرنا عنوانًا لديوانه، فيها ثمَّة شموخ بالمفردات الدالَّة على المضمون، إذ في هذه القصيدة ثمَّة مرادفات تضاهي عمق الدلالة في العنوان: (جنازة العروس)

أما كيف استطاع بدرخان أن يصوِّر تلك الجنازة للعروس الماضية إلى منعطف الأحلام بأبَّهة ثوب الزفاف الأبيض، فهذا شأن إمكانات وقدرات قلَّ نظيرها:

عندما انسحب الضوء من بيتها

خرجت نحو أحلامها

ورأيتُ الملايين

يسعون خلف ارتعاشة أثوابها

ويصلُّون حيث تدوس.

هكذا

يتكسَّر صوت الحياة بكهف الصدى

هكذا

يتمزق تحت السنابك ظلُّ العروس.

بقي أن نقول إن الشاعر السوري عبد الكريم بدرخان لم يلجأ في قصائده إلى المفردة الإشكالية، ليرهق قارئه في البحث عن المعنى، فقد كانت البساطة في الطرح والسهولة في التعبير سمة جميع القصائد، ثمَّ تقديم ذلك كله على طبق من فضة للقارئ، ليستسيغ طعم القصيدة ويتلذذ بها.

بدرخان اغترب أكثر من مرة، كغيره من السوريين الذين تبعثروا في الآفاق بحثًا عن مكان ربَّما لا يشبه المكان الذي ألفوه، ولكن ما يحسب له أنه شاعرٌ بيديه مغاليق الكلمات، والقدرة على تحويل الأمكنة إلى فضاء رحب للإبداع.

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق