سلايدرقضايا المجتمع

اللباس والثورات

عند حدوث تغيرات اجتماعية ثقافية أو دينية أو ثورية في أي مجتمع؛ يصاحب هذه التغيرات تغيرٌ على مستوى الزي واللباس في هذا المجتمع، ويصبح الشال أو القبعة أو الجلباب أو الكوفية وغيرها وسائل لنقل رسالة ما أو تثبيت حقيقة ما.

عند دراستنا للثورات والأزمات الاجتماعية أو حركات التحرر الوطني أو الانقلابات العسكرية أو الثقافية، سوف نلحظ تلك التغيرات على مستوى الزي واللباس، فلقد أصبحت الكوفية الفلسطينية رمزًا للنضال الفلسطيني، وكلنا يعرف البدلة العسكرية التي كان يرتديها الراحل ياسر عرفات، في إشارة إلى أنّه يحمل رسالة الكفاح والنضال من أجل شعبه وحقوقه، ومثله فيدل كاسترو وعدم تخليه عن بدلته العسكرية في رمزية التمسك بمرحلة الكفاح الشيوعي التي خاضها.

في أوقات السلم والاستقرار، تختار كل أمة من لباسها ما يناسب بيئتها وطقسها وعاداتها التي ورثتها عن الأجيال السابقة، ويقوم اللباس هنا بدور ثقافي إيجابي، إذ يعزز الروابط الثقافية والاجتماعية بين أفراد المجتمع الواحد، فالتشابهات الخارجية في الملبس تدعم التشابهات الداخلية على مستوى الفكر والمعرفة، ولذلك تعمد الجيوش إلى توحيد لباسها العسكري، لإزالة أي فروق طبقية أو ثقافية بين أفراد الجيش الواحد، وهو يشابه الرسالة التي أرادها النبي محمد من توحيد لباس الحجيج.

يختلف الأمر كلية مع التغيرات الكبرى في المجتمعات، وصعود الأيديولوجيات على اختلافاتها وصراعاتها، إذ إنّها تسعى لخلق تغيرات شكلية تميزية في قلب المجتمع، تعزز أفكارها وتصوراتها، فمع وصول حزب البعث إلى السلطة وسيطرة البعثيين العسكر لاحقًا؛ تم تمجيد البدلة العسكرية ولابسيها، وبعد خروج الأسد ببدلته العسكرية معلنًا حرب تشرين عام 1973 وترويج أنصاره وإعلامه انتصاره في هذه الحرب، أصبحت البدلة العسكرية محترمة ومخيفة ومهابة في سورية، وأصبح للعسكري أولوية شراء الخبز، وله الحق في تجاوز دوره عند أي معاملة، وكأنّه يريد السرعة للالتحاق بجبهات القتال!

لم يقتصر الأمر على العسكر ولباسه فحسب، بل تجاوز الأمر لتكون البدلة العسكرية اللباس الرسمي والإجباري في المدارس، وأصبح المدني الذي يعرف ضابطًا أو مساعدًا يرجوه في تأمين جاكيت عسكرية (فيلد) أو بوط عسكري أو بطانية عسكرية، لقد استطاع الأسد تمجيد العسكرة وأخلاق القوة والغطرسة ورموزها في المجتمع السوري، وصار المراهق الذي يرتدي “الفيلد” العسكري يتصرف في شارعه أو قريته كأنّه عنترة بن شداد، وهو الأمر الذي نراه يتجسد في أخلاق القوة الأميركية المعولمة، وأصبح لدينا وكالات ألبسة مدنية تشابه منتجاتها لباس المارينز الأميركي.

مع وصول النازية والفاشية والشيوعية إلى الحكم في بلدانها؛ كان للرموز والألبسة دلالات الانتماء إلى هذه الأنظمة الشمولية، وأصبح الزي جزءًا من الأيديولوجية وناطقًا بها.

إذا كان من أهم أهداف الثورة الفرنسية تحقيق العدالة والمساواة، فقد كانت حركة (اللامتسرولون) القوة الأساسية بعيد قيام الثورة الفرنسية 1789 وكانوا يمثلون طبقة الفقراء والكادحين الذين أرادوا مخالفة النخبة الفرنسية التي كانت ترتدي السراويل، فلا بدّ لأي حركة احتجاج -مهما كبرت أو صغرت- من رمزيات يلتف حولها الناس وتحافظ على وحدتهم، كما هو الحال مع أصحاب السترات الصفراء اليوم.

مع قيام الثورة السورية في بداياتها السلمية، لم يكن جمهور الثورة بحاجة إلى المفاصلة الحادة والنهائية مع النظام، وكان المتظاهرون يرفعون علم سورية الذي نعرفه، ويخرجون إلى التظاهرات بلباسهم البيتي والطبيعي السوري، إلى أن قرر النظام مواجهة الاحتجاجات بما لا يجيد سواه، وبدأت الاعتقالات والتصفيات وإطلاق الرصاص الحي واستعمال مضاد الطيران في الشوارع، واستعمال الزوارق الحربية والطائرات والصواريخ لاحقًا، ولأن الأمور لم تمشِ على هوانا، تعسكرت الثورة وتأسلمت، إذ لا يمكن مواجهة قرار الإبادة بغير إيمان وتعلق بالمطلقات، وكما يقول ماركس “إنّ الناس يصنعون تاريخهم بيدهم. إنهم يصنعونه في ظروف لا يختارونها هم بأنفسهم بل في ظروف يواجهون بها، وهي معطاة ومنقولة لهم مباشرة من الماضي. إنّ تقاليد الأجيال الغابرة تجثم كالكابوس على أدمغة الأحياء، وعندما يبدأ الناس تحويلَ أنفسهم والأشياء المحيطة بهم في خلق شيء لم يكن له وجود من قبل (الحرية)، عند ذلك بالضبط، وفي أوقات الأزمات الثورية، نراهم يلجؤون في وجل وسحر إلى استحضار أرواح الماضي لتخدم مقاصدهم، ويستعيرون منها الأسماء والشعارات القتالية والأزياء، لكي يمثلوا مسرحية جديدة على مسرح التاريخ العالمي، بهذا الرداء التنكري الذي اكتسى بجلال القدم، وفي هذه اللغة المستعارة، هكذا ارتدى لوثر قناع الرسول بولس، وهكذا استعار كرومويل والشعب الإنكليزي الكلام والعواطف والأوهام من العهد القديم لثورتهم البرجوازية”.

هنا حدث التحول الرهيب في الثورة السورية، على ضفتي من يرتدون لباس الحسين وأعلامهم الصفراء، وبين من يرتدون لباس الصحابة وأعلامهم الخضراء والسوداء، وتم إنشاء الميليشيات الطائفية التي تدعم الجيش في حربه على الشعب، وبين ميليشيات تقمّصت شخصية ابن لادن وخطاباته والظواهري ونصائحه، وأصبح لدينا دولة لا تشبه دولة المرابطين إلا في زيها واللثام الذي يوضع على وجوه المقاتلين فيها، ولم يعد هذا الزي الداعشي حكرًا على أفراد التنظيم فحسب، بل تعدى الأمر ليكون لباسًا يتزين به رجال في ديار الغرب في سراويل فضفاضة واسعة وقصيرة وقمصان طويلة إلى الركبة، وهذا يعني أنّ الأيديولوجية أصبحت محط تقليد، وهنا نعود إلى ماركس، وهو ينتقد مثل هذه الثورات بالقول: “لقد كانت الثورات السابقة في حاجة إلى استعادة ذكريات الماضي من حوادث التاريخ، لكي تخدع نفسها بشأن محتواها هي بالذات”.

لقد عمل الأب المؤسس لهذا الخراب على عسكرة المجتمع، وتمجيد القوة والشطارة وترويع الناس وتقسيمهم، وعمل الثوار الإسلاميون على تديين المجتمع وتنقيب نسائه وتحجيب أطفاله، وأصبحت المخيمات في الزعتري والركبان وتركيا مقصدًا للدعاة ونشر أفكار الفضيلة والعفاف والحجاب وتحفيظ القرآن، بدلًا من أن يكون الهدف إزالة هذه المخيمات أو بناء مدارس ومطابخ جماعية أو ورشات للتعليم وتنمية المواهب العقلية والرياضية واللغوية.

لقد أهلكنا هؤلاء الملثمون، على اختلاف توجهاتهم، كما أهلكنا زيف التحرر الذي روجه البعث في سورية، وكما سقطت البدلة العسكرية أو العصابة الصفراء الطائفية أو اللحشة الحمراء، يجب أن تسقط هذه العباءات والكوفيات السوداء والسراويل الفضفاضة القصيرة أو البراقع أو النُقب الدخيلة على ثقافة السوريين وأزيائهم، إنّ إسقاط كلا الزيفين كفيلٌ بأن تخطو الثورة خطوة إلى الأمام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق