تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

إعادة الإعمار على أي طراز ستكون؟

بكلمات قصيرة، يمكن تلخيص ملامح المرحلة القادمة للاقتصاد في سورية، كنوع من سباق محموم يتبارى فيه الروسي والإيراني، على طراز معماري يمكن ترسيخه في سورية، وليس المقصود بالمعمار هنا البناء الشاهق، أو شق الطرقات وتعبيدها، أو تنفيذ المشاريع الخدمية وبناء مؤسسات الدولة والمجتمع، إنما المقصود تنمية الاستثمار في البروباغندا الدعائية التي تصبّ عائداتها في مصلحة طهران وموسكو، والنظام الذي يحميانه.

في كل جلسات المباحثات أو المفاوضات، التي يجريها نظام الأسد أو وكلاؤه من قوى الاحتلالين الروسي والإيراني، مع السوريين أو المجتمع الدولي، أو مع ضيوفه المتسارعين للتطبيع معه، تُطرح قضية موارده الاستثمارية أو بناء رأسماله التحتي. لقد طرحت موسكو وطهران فكرة وضع حد لمعاناة السوريين في سورية، عن طريق صبّ حمم الموت فوق رؤوسهم، وأعانت قوة النظام التدميرية على بسط السيطرة كإطار عام للتسوية، ويبدو أن هذه الفكرة التي تم تطبيقها تعود للبروز مجددًا في مناطق الشمال السوري، بعد الحديث عن توافق تركي روسي حول مدينة إدلب.

ويبدو أن “عرب التطبيع” مع الأسد، متفائلون بإمكانات كهذه، كتلك التي قام بتنفيذها الروسي والإيراني، بحصولهم على عقود واتفاقات اقتصادية مع النظام السوري، بعد رفع التمثيل الدبلوماسي المنتظر، ومن وحي هذا التفاؤل الذي يشيعه النظام وحلفاؤه في المنطقة، ثمة مشروع عربي مدعوم من الجانب الروسي والإيراني، لتطبيع شامل أو شبه شامل مع الأسد، تم فيه تناول تصريحات تنفي مرة، وتؤكد مرة أخرى، إمكانية حدوث ذلك، إما في القمة العربية القادمة، أو ترك هذا الأمر لكل دولة على حدة، وهذا يذكرنا بالقرار الذي اتخذه العرب بعد كامب ديفيد مع نظام السادات.

وكإسناد لهذه المواقف والإشارات التي لم تعُد خفية أو سرية، يتم الحديث عن تمتين التعاون بين النظام والعديد من أنظمة الحكم العربية، تارة من بوابة البرلمانات وأخرى عن طريق المخابرات، ففي معرض حديث وفد برلماني أردني، زار دمشق قبل أيام، قال أحد أعضائه (طارق خوري): إن “مؤتمر البرلمانيين العرب” الذي سيُعقد في عمان، سيتحدث بخصوص عودة النظام السوري للجامعة العربية.

سبقت حديثَ النائب الأردني تصريحاتٌ عدة لنواب في برلمانات تونس ومصر ولبنان، وغيرها من التصريحات السياسية التي تصب جميعها في خدمة النظام السوري، ولأن حديث أي وفد زائر إلى دمشق، يتم مع نواب في دمشق لا يمثلون الشعب ويمثلون أجهزة الأمن؛ تبدو إمكانية التسوية المأمولة من قبل موسكو وطهران مستحيلة وبعيدة. لذلك يبقى الخيار الوحيد المناسب والمريح لهم وللنظام هو الحديث المستمر عن “مشاريع”، وإنجازها على الورق، ويظل توقيع عقود وبيع ممتلكات السوريين للمحتلين هو أفضل طريق يضمن للأسد الاستمرار في الحكم، إلى أجلٍ ينتظره كل السوريين.

تبقى حدود موقف النظام في دمشق، وإطار حركته، مرسومتين في موسكو وطهران، ويحاول السوريون تحطيم هذه الحدود، من خلال التأكيد على استمرار وجود ثورتهم، ومطالبهم الوطنية في الحرية والعدالة والمواطنة، بعد إسقاط الطاغية. كل ذلك يجعل من الصعب أو المستحيل تسويق الأسد مجددًا حتى لو قدم عقودًا اقتصادية وعسكرية لقوى الاحتلال، كصك ضمان لحمايته واستمرار حكمه، وستبقى تبعًا لذلك محاولاتُ تلميع الأسد، بمليارات الإعمار الإيراني والروسي أو الصيني، تدور في إطار “الخطوات الصغيرة” أو سياسة تأجيل حلّ يحسم وينصف معاناة السوريين.

أي إعمار، لا يكون على طراز حرية السوريين ومواطنتهم، سيكون مصيره الهدم والفناء، أما إعادة إعمار وتعاقد بين فئة من المحتلين، وبين مشروعهم في هرم النظام، فهو لا يعدو كونه تعاقدًا بين المحتل وأعوانه، فلم يعد ذا قيمة أيّ حديث عن البعد الاقتصادي في سورية أو المشاريع المستقبلية، التي لا تحمل البعد السياسي المكثف للاقتصاد ورأسماله، لبناء حرية ومواطنة وكرامة السوري التي تقود إلى هدم بنيان الطاغية، وإعادة الإعمار على الطراز السوري لا تحتاج إلى مزيد من التوضيح.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق