سلايدرقضايا المجتمع

الأسدية والتماثيل

ليس للعرب بعد الإسلام إسهامٌ يذكر في مجال فن النحت، ويقال في تعليل ذلك إن الإسلام يحرّم تصوير الجسد البشري؛ لأن هذا العمل يبدو تدخلًا في عمل الخالق نفسه، بينما يتأول آخرون الأمر، على نحو مختلف؛ فالدين الإسلامي -برأيهم- حرّم هذا الفن، لقرب العهد بالجاهلية وأصنامها، التي كانت منتشرة حول الكعبة في مكة، وفي غيرها من حواضر الجزيرة العربية، خوفًا من عودة الناس إلى الوثنية وعبادة الأصنام.

انقطعت -مع الأسف- أخبار هذا الزمن الجاهلي، فضاعت وراء جدران الزمن أسماء فنانينا الذين نحتوا “هبل”، و”اللات”، و”إساف ونائلة”، وغيرها من التماثيل التي تذكر كتب الأخبار أن عددها كان ثلاثمئة وستين تمثالًا -وهو رقم يرمز إلى كثرتها فيما يبدو- يومَ هدمها المسلمون عند فتح مكة.

لكن الحداثة التي هبّت على بلادنا، منذ فجر نهضتها المعاصرة، حملت إلينا فنونًا لم تكن مألوفة ولا معروفة من قبل، كان النحت واحدًا منها، مع اختلاف بسيط عن فن أسلافنا، فللتماثيل في الوعي الغربي وظيفة مختلفة، عن وظيفتها القديمة في تجسيد الآلهة والأرباب؛ فالحضارة الغربية الحديثة التي استعرنا منها هذا الفن تخلد، عادة، شعراءها وكتابها وموسيقييها، بأن تصنع تماثيل لهم، بغية جعلهم أمثلةً تحتذيها الأجيال الصاعدة، وكذلك لإبقاء الفرد على اتصال مباشر بتاريخه وتراثه، من خلال حضور رموز هذا التراث في الساحات العامة.

لكن السلطة العربية عمومًا، والأسدية بخاصة، أعادت إحياء الوظيفة القديمة لفن النحت، فالتمثال لا يقصد من ورائه تكريس حضور شخصية، لها إسهامها في التاريخ الوطني أو القومي أو الإنساني، ولكنه يقام لغاية واحدة، هي تأكيد حضور السلطة في الحياة العامة، فوظيفته -من هذه الزاوية- مشابهة لوظيفة الأصنام في الجاهلية، الأصنام التي اختفت من حياتنا، مع ظهور الإسلام، ولكنها عادت إليها مجددًا عبر تماثيل قادة الخلود، ولئن كانت الليبرالية الجاهلية قد أفسحت المجال للقبائل أن تضع حول الكعبة ثلاثمئة وستين تمثالًا، تجسد آلهتها التي تعبدها؛ فإن الأمر محال في النظام الدكتاتوري.

للأسدية هوسٌ بالتماثيل، وهو هوس نابع من فكرة الخلود أو الأبد ذاتها، فالتمثال هو أول ما تلقاه عين الفرد، وبخاصة أولئك الذين ينظرون من زاوية حسية صرف، فهو يعطي الإحساس بالوجود الدائم لصاحبه، بمعنى أنه يقوم مقام صاحبه، وينوب عنه في وظيفة الإرهاب والتخويف. لنتذكر أن لا أحد كان بإمكانه الاقتراب من التماثيل، لا خوفًا من المفارز الأمنية التي كانت تقوم بوظيفة حاميات الأصنام في المعابد القديمة، ولكن لما تمثله في وعينا من صور القسوة والجبروت والعنف.

من خصائص التماثيل الأسدية، انعدام الموهبة والحرفية في نحتها. وقد يقال في تعليل ذلك إن العدد الكبير منها فرض على “الفنانين” سرعةً في إنتاج الأعمال، تماشي ما يطلبه “السوق الدكتاتوري” الشره لتماثيل تتجاوب مع تجليات القائد الأوحد المختلفة: “المعلم الأول”، و”الفلاح الأول”، و”العامل الأول”. ولكن الأمر يتعدى هذا التبسيط، فالمضمون الفني المتواضع يعود -في نظرنا- إلى سبب أكثر جذرية، فالأسدية بوصفها مشروعًا يقوم على البقاء في السلطة، وتستحوذ عليها فكرة الأبد، ليس لديها أي مشروع فكري؛ لأن المشاريع الفكرية لا تنتجها الدول، عادة، إلا لغايات كبرى، حين تشعر بالحاجة إلى تقديم ما يخلد حضورها في سيرورة التاريخ. ومشروع الأسدية متواضع، وهو الخلود في السلطة، ولذلك كانت الأسدية فقيرة من ناحية الاهتمام بالثقافة والفكر. يعزز هذا الفقر جذرها الريفي البسيط الذي لم يصقل بالقدر الكافي من التعليم، وخلفيتها الطائفية التي تغذيها نزعة الانعزال، والتربية العسكرية التي تلقتها، والتي تشكل أساس بقائها في الحكم، وهي تربية تحتقر الثقافة وتزدري المثقفين. الأسدية من هذه الناحية نكسة، حتى بالقياس إلى البعث نفسه، الذي خذلته منابته الطبقية المتواضعة في أن تكون له أسماء لامعة، في دنيا الثقافة والأدب، وحال دون ارتقاء أدبائه وكتابه في عالم الإبداع، أفقُهم الإنساني الضيق، والأيديولوجيا البعثية القائمة على الشك في الآخر، والتقوقع على الذات، ولم ينجح البعث في تكريس حضور “أدبائه الملتزمين” إلا عبر المناهج الدراسية. وهكذا كان سليمان العيسى هو صفوة الإسهام البعثي في عالم الأدب، في حين أن الأسدية أكثر تواضعًا، فقد كان “علي الديك” صوتها في عالم الفن بلا منازع. وهذا وحده يعطينا إشارة إلى البون الشاسع بين الطرفين.

استنادًا إلى هذا، فإن التماثيل الأسدية صورة عن انشغالات الأسدية وهمومها، وتعبير عن رؤاها ونظرتها للحياة والمجتمع بوصفه مجالًا لتأكيد سطوتها؛ فهي تكاد تكون نسخة واحدة مكررة؛ لأن “الفنانين” الذين نحتوها لم يتمكنوا من إضفاء الطابع الخاص عليها، فهي لم تكن قضيتهم أولًا، وهي ثانيًا لا تفلح، نظرًا إلى القصور الملازم لمعنى وجودها، في الارتقاء من جوهرها السلطوي إلى مراتب أعلى منه في سلم الفن. فالفن في الأسدية لا يتجاوز أبدًا وظيفته القمعية المباشرة.

لكن الأسد الأب لم يحظَ بهذا العدد الكبير من التماثيل، إلا بعد أن قضى على خصومه الداخليين، إذ كانت التماثيل معركة رمزية، تعيد التأكيد على التفوق العسكري والسياسي للرجل الذي عمّد حكمه بعشرات الآلاف من القتلى. ولهذا ليس من المستغرب ألا يكون للأسد الابن أي تمثال؛ لأن صناعة التمثال في الوعي الموالي للأسد لا بدّ من أن تسبقها عملية طويلة شاقة من إثبات الذات، والقدرة على سحق الخصوم، وتدمير مدنهم، وقهر إرادتهم، ولهذا أيضًا تزايدت تماثيل الأسد الأب بعد مجزرة حماة، فهو قد تخلص من التهديد الحقيقي لسلطته، وتمكن من إعطاء درس لمن يفكر في الخروج عليه مستقبلًا. وهذا ما ارتقى به من مستوى الرئيس إلى مستوى آخر، ليس هو -بكل تأكيد- المستوى البشري، وبخاصة في ظل أوساط مجتمعية، لا تبدو المسافة بين البشر والإله عصية على قطعها. وعلى ضوء هذا، فمن غير المرجح أن يكون للأسد الابن أي تمثال في المستقبل، فلا ساحات كافية لاستقبال العدد الذي يليق به من تماثيل، ثم إن انتصاره ناقص، ومشوب بالحسرة، ولم يحققه بفعل جهده الشخصي وحده، ولكن بفعل حلفائه: الإيرانيين والروس، وهؤلاء احتلوا سلطته وفرغوها من مضمونها الذي بقي شكلًا خاويًا.

في أثناء تحرير “الجيش الحر” لمدينة الرقة عام 2013، أسقط المتظاهرون المحتفلون بالنصر تمثال حافظ الأسد الذي يتوسط الميدان الرئيس في المدينة المهمشة. يومها، لم يستطع أحد شبيحة النظام، في مدينة حمص، أن يحتمل المشهد الذي كانت تعرضه “القنوات المغرضة”؛ فأطلق على نفسه النار منتحرًا.

ما معنى الحياة حين يغيب الإله؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق