أدب وفنون

“قيامة الروح” رواية الدماء المسفوحة على مذبح الحرية

(قيامة الروح) نص سردي للكاتب السوري ثائر الناشف، يتحدث عن الحراك الشعبي الذي شهدته المدن السورية في مطلع عام 2011، يرصد اللحظات الأولى لتصاعد الحراك في سورية، من خلال التظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات، ويعكس حوار الشخصيات تنامي الصراع، في أثناء عمليات الاعتقالات والخطف والتعذيب، التي تطورت لاحقًا إلى العنف المسلح، وتكللت بظهور الجماعات الإسلامية المتطرفة. كما يسلط الضوء على المرحلة التي سبقت الحراك في سورية، من خلال تجربة المنفى التي مرّ بها كاتب الرواية، وقادته إلى الخروج القسري من سورية قبل ثلاثة عشر عامًا.

يتألف النص من أربعين فصلًا، ضمن الأجزاء الخمسة المشار إليها آنفًا، وتكمل الفصول بعضها الآخر في إطار سردي تسلسلي يعرض لأدق التفاصيل الحياتية والانفعالات النفسية بكل أوجهها المتناقضة.

لا يتمحور النص حول شخصية بعينها، نظرًا إلى كثافة الأحداث التي شهدتها سورية في تلك الحقبة، بل يعرض لأكثر من شخصية، حيث تقف جميعها في متن النص وتلتقي على أرضيته، راسمة بحوارها وحراكها وصراعها مضمون الرواية. ويقدم مشهدًا سرديًا مفصلًا لطبيعة العنف الأسري والمجتمعي والمدرسي المصحوب بنماذج شتى من القهر النفسي الذي أدى إلى اندلاع موجة الاحتجاجات العارمة التي عرفتها سورية، كجزء من حركة الاحتجاجات العربية.

وتبرز جرأة النص في عرضه الدقيق والمفصل للعقد والانحرافات الجنسية المستحكمة عند رجال الأمن؛ وقد انعكست انعكاسًا واضحًا في سلوكهم القاسي، من خلال استخدامهم المفرط للقوة في أثناء عمليات كبح الاحتجاجات.

أمّا القضية الأبرز التي تطرق إليها الكاتب في روايته الطويلة، فهي قضية تأثير الخطاب الديني في مسار الاحتجاجات في سورية، من خلال إبراز دور بعض رجال الدين على الأجواء الحماسية، وتوظيف الشعارات الثورية بخطابات انتقامية، وهو ما ظهر بوضوح عند التيارات الإسلامية المؤدلجة، كالإخوان والسلفيين الذين لعبوا دورًا كبيرًا في استغلال الحراك السوري، وحرف مسار الاحتجاجات السلمية عن مسارها المدني، وتحويلها بطيش السلطة إلى المسار المسلح.

كما يخوض النص في أعماق النفس البشرية، عن طريق اعتماد الكاتب أسلوبي الكشف التاريخي لماضي الشخصيات، والتحليل النفسي لانفعالاتها وعُقدها الجنسية، فيقدم نماذج شتى من النرجسية المتأصلة والأنانية المفرطة في صلب الشخصية السورية، سواء الموالية للسلطة أو المعارضة لها، كنتيجة نهائية، ومحصلة حتمية لتأثير الأيديولوجيتين القومية البعثية بخطابها التخويني الإقصائي، والدينية بخطابها الفئوي التكفيري الإلغائي.

انطلاقًا من هذا الكشف الدقيق لجوهر الشخصية السورية، فإن النص يعالج –أيضًا- أنماط العقلية السورية، سواء أكانت عقلية السلطة أم عقلية المعارضة، فيعرض لموقفيهما المتناقضين من قضية الاحتجاجات، ويطرح في هذا الصدد سؤالًا معقدًا، وفقًا لسمات العقلية السورية المشبعة بنظريات المؤامرة المستقدمة من زمن المد القومي: “هل ما حدث في سورية ثورة أم مؤامرة؟ وهل كانت الثورة مؤامرة دولية نسجت خيوطها الرفيعة في السراديب المعتمة أم أنها نزعة جماهيرية عفوية؟

إن نص هذه الرواية لا يتمحور حول شخصية بعينها، فأبطالها في الواقع هم المحتجون الحقيقيون الذين بذلوا أرواحهم ودماءهم رخيصة في سبيل تحقيق أحلامهم التي سبقتهم إليها شعوب أخرى، كما أن “قيامة الروح” تميط اللثام كذلك، عن الشخصيات التي اتخذت موقفًا مناهضًا للمحتجين، وأوغلت في مواجهتهم وتعقبهم، فبدت الرواية كما لو أنها تجسد فكرة الصراع بين الحرية والاستبداد من جهة، والصراع بين البقاء والتغيير من جهة أخرى.

أمّا اللغة التي اعتمدتها الرواية في حوار الشخصيات، فهي اللغة العربية الفصحى، من دون أن تخلو كذلك من الإشارات الصغيرة لبعض المفردات من اللهجة المحلية، وخاصة في ما يتعلق بنمط الشعارات والألفاظ الدارجة في الخطاب الشعبي الذي ظهر بوضوح عند أفراد الطبقتين المؤيدة والرمادية التي كانت نتاجًا طبيعيًا لصناعة السلطة، فيما ظهرت عند المحتجين من خلال الأغاني والأهازيج الشعبية.

أخيرًا، لا يمكن القول إن هذه الرواية موجهة إلى فئة بعينها من الشعب السوري، بل إنها تعرض لصراعات الفريقين على حد سواء؛ المؤيد للسلطة بشعاراته وخطاباته، والمعارض لها، ضمن مسار الاحتجاجات بهتافاته الشعبية وأغانيه الحماسية.

………………………………………………

* صدرت رواية (قيامة الروح) حديثًا، عن دار أوراق للنشر والتوزيع في القاهرة. تقع الرواية في خمسة أجزاء و460 صفحة من القطع المتوسط.

* لوحة الغلاف تصميم الفنان السوري ديلاور عمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق