ترجماتسلايدر

الانتخابات التركية تُظهر نطاق قومية أردوغان

قبل الانتخابات التركية المحلية التي جرت نهاية الأسبوع الماضي، في جميع أنحاء البلاد، لجأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى تكتيكاته المعتادة؛ حيث أظهر بعضَ خصوم حزبه الحاكم كخونةٍ متحالفين مع الإرهابيين. وعرض شريط الفيديو المروّع لمجزرة المسجدين في نيوزيلندا، وحمّل نفسه مسؤولية الدفاع عن الضحايا المسلمين. وأثار القومية الغاضبة، من مدينة إلى أخرى، في محاولة لتشتيت انتباه الناخبين المحبطين من الاقتصاد المتعثر في البلاد.

لكن الخطة هذه المرة لم تنجح. في ما يُنظر إليه على أنه توبيخ لأردوغان، هُزم المرشحون الذين يمثلون حزب العدالة والتنمية، في المدن الكبرى في جميع أنحاء تركيا، ومنها العاصمة أنقرة وأزمير وأضنة وأنطاليا. في إسطنبول، وهي أكبر مدن البلاد، يبدو أن سياسيًا من حزب الشعب الجمهوري المعارض حصل على أغلبية الأصوات، على الرغم من أن حزب العدالة والتنمية يعترض على النتيجة، وهناك مخاوف من ارتكاب حماقات من جانب الحكومة. وعلى الرغم من أن مسؤولي حزب العدالة والتنمية يشيرون إلى أنهم وشركاءهم في التحالف فازوا بأكبر عدد من الأصوات في جميع أنحاء البلاد، فإن الأيام المقبلة ستختبر قدرة أردوغان على تحمل الهزيمة واستيعابها.

كريم فهيم، كتب في صحيفة (واشنطن بوست): إن خسارة إسطنبول “ستكون ضربة قاسية بشكل خاص للرئيس”. “ارتقى أردوغان الصدارة الوطنية بصفته عمدة المدينة من عام 1994 إلى عام 1998. ومنذ ذلك الحين، أصبحت المدينة مصدرًا للثروة والهيبة لحزبه ومعرضًا -ببنائها السريع والمشروعات الضخمة والمساجد المتعددة- لرؤيته الأيديولوجية الأوسع”.

ولكن وسط تراجع اقتصادي حاد، تجلى في خسارة عملة البلاد (الليرة) لثلث قيمتها مقابل الدولار، لم يعد بإمكان أردوغان أن يتفاخر بالازدهار الذي تحقق خلال مرحلة سابقة من حكمه. وفشلت شعبويته المثيرة للانقسام، في تأمين الدعم القومي الكافي بين الناخبين في المناطق الحضرية.

عمر تاسبينار، من معهد بروكينغز، رأى أن “الناخبين الأتراك في جميع المدن الكبرى تقريبًا، بدلًا من التركيز على أعداء أردوغان الوهميين، فضّلوا التركيز على شيء أكثر واقعية ووضوحًا: التضخم والبطالة والركود وانخفاض كبير في مستويات المعيشة.”

في العديد من البلدان، تكون الانتخابات البلدية أقل أهمية من الناحية السياسية. لكن في نظام تركيا، يختارون عمدة ولايات البلاد البالغ عددها 81، إضافة إلى المدن والبلدات التي تقع ضمن نطاقها. كانت هذه الجولة من الانتخابات بمنزلة اختبار كاشف وحاسم للسنوات المقبلة. على مدار نصف العقد الماضي، أخذ أردوغان الناخبين الأتراك نحو نمط انتخابي دائم، تضمن انتخابات برلمانية متعددة، واستفتاء على طموحاته لإعادة تشكيل النظام السياسي في البلاد، ثم انتخابات رئاسية. لكن أردوغان، الذي تنقل بين رئيس للوزراء ورئيس للجمهورية، منذ ما يقرب من عقدين من الزمن، لن يواجه انتخابات حتى عام 2023. هذا أمرٌ جيد أيضًا، بالنظر إلى الحكم العقابي ليوم الأحد (يوم الانتخابات).

غونول تول، وهي باحثة تركية في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، كتبت: “إن فقدان المدن التركية الكبرى حطم أيضًا صورة أردوغان كسياسي لا يُقهر”. وأضافت أن الانتخابات وجهت “ضربة قوية لشبكة المحسوبية التي بناها أردوغان على مدى السنوات الـ 25 الماضية”، مما ساعده على تأمين “ولاء نخبة رجال الأعمال، ووضع مواردهم في العمل لتعزيز سلطته”.

في الوقت نفسه، كانت الانتخابات العلامة الأحدث على وجود معارضة أكثر توترًا، تغلبت على سنوات من الانقسام والخلل الوظيفي. وقال سونر جاغابتاي من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى لـ كريم فهيم من صحيفة (واشنطن بوست): “من حظ أردوغان أنه يواجه معارضة مؤلفة من جماعات متباينة تكره بعضها البعض”. لكنهم أظهروا الآن ما يمكن أن يحدث عندما “اجتمعوا في اتحاد له هدف لأول مرة”.

إن النتيجة الباهظة لأردوغان تُضاف إلى مشكلاته المتزايدة. فهو في الخارج مشغول بنزاع جديد مع الولايات المتحدة، بشأن شراء تركيا لنظام دفاع صاروخي روسي. وفي الداخل، يواجه دعوات متزايدة لسنّ إصلاحات اقتصادية عميقة.

بيرك إسين، أستاذ مساعد للعلاقات الدولية بجامعة بيلكنت في أنقرة، قال لصحيفة فاينانشال تايمز: “إنها نتيجة سيئة لأردوغان. هناك أزمة اقتصادية، وهناك أزمة دولية بسبب المواجهة المستمرة مع الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، هناك هزيمة انتخابية تظهر لشركائه الدوليين وخصومه المحليين أنه ضعيف للغاية”.

هناك قصة أوسع، لا بد من سردها أيضًا: قبل وقت طويل من وصول الرئيس ترامب أو ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، أو فكتور أوربان، رئيس الوزراء المجري، توصل أردوغان إلى سياسة روح العصر. في نهاية المطاف، أفسحت أجندته المؤيدة للأعمال واليمين الوسطي الطريق نحو قومية أكثر تشددًا وغير ليبرالية، وبُنيت سياساته الأكثروية حول الاحتفاظ بالسلطة. لقد أدت عمليات القمع والتطهير إلى القضاء على المعارضين المحتملين داخل القضاء والبيروقراطية الحكومية في تركيا، مع الضغط على المجتمع المدني ومنافذ الأخبار في البلاد. وسائل الإعلام الحكومية بالكامل في معسكر أردوغان، في حين سيطر رجال الأعمال المؤيدون لأردوغان على العديد من المؤسسات الإعلامية المستقلة الرائدة في البلاد.

على الرغم من رجحان الكفة ضدها، قامت المعارضة بتحالفات تكتيكية، وتمكنت من تحقيق انتصارات كبيرة. وكما كتبت أصلي أيدنتاشباش في صحيفة (واشنطن بوست): “هناك درس في هذا كله بالنسبة إلى الديمقراطيين في جميع أنحاء العالم الذين يكافحون في ظل أنظمة شعبوية أو شبه استبدادية. إذا كنت منظمًا؛ فابحث عن المرشح المناسب الذي لديه الرسالة الصحيحة، فهناك فرصتك”.

علاوة على ذلك، نظرًا إلى أن معظم أوروبا تشهد صعود الأحزاب الشعبية أو القومية في بلادها، فإن أردوغان يقدم حكاية تحذيرية لما سيحدث، إذا ما احتلوا السلطة واحتفظوا بها، أي، طالما أن الناخبين يحق لهم أن يقرروا.

وكتب سليم كورو، وهو محلل مقيم في أنقرة: “عندما يصدر الخطاب الشعبوي من وجه جديد، ويتوجه إلى نخبة متكلسة؛ سيبدو معقولاً. وعندما يحلّ محلّ هذه النخبة، وقد بلغ نهاياته الديموغرافية، فإنه سيبدو مضحكًا”.

اسم المقالة الأصلي Turkey’s elections show the limits of Erdogan’s nationalism
الكاتب إسهان ثأرور،Ishaan Tharoor
مكان النشر وتاريخه واشنطن بوست،The Washington Post، 3/4
رابط المقالة https://www.washingtonpost.com/world/2019/04/03/turkeys-elections-show-limits-erdogans-nationalism/?utm_term=.629913243018
عدد الكلمات 838
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

صورة الغلاف: (ليفتيريس بيتاراكيس/ أسوشيتد برس)

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق