تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

ماذا بعد استعادة العمق الأمني لـ “إسرائيل”؟

قُبيل عام 2011، قلة عرفوا كيف ترسخت صورة محافظة القنيطرة بشكلها الجغرافي، وقد قسمها شريط شائك إلى قسمين: أحدهما (الجولان) الذي تحتله “إسرائيل”، وهو الجزء الأكبر من مساحة المحافظة، وقسم آخر ضيّق طولي ممتدٌ مع الجولان، يسيطر عليه نظام الأسد، سُمِّيَ بـ (القنيطرة المحررة) هو أقل من نسبة 1/ 4 من المساحة.

بين احتلالين

بتحرير أكثر من نصف القنيطرة (المحررة) أواخر عام 2012، من قوات الأسد على أيدي “الجيش الحر”؛ تشكّل واقع جديد، دفع “إسرائيل” إلى العمل من أجل إعادة الوضع الأمني إلى سابق عهده في القنيطرة قبل 2011، فقد وضع وجود الثائرين على نظام الأسد، بشقيه العسكري والمدني، اتفاقيةَ “فض الاشتباك” لعام 1974، على المحك، ولا سيّما بعد مغادرة قوات undf (قوات الفصل والمراقبة) التابعة للأمم المتحدة مواقعها عام 2012. وفي ذلك، يؤكد قيادي سابق في “الجبهة الجنوبية” أن “إسرائيل سعت بكل قوة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، في بقعةٍ جغرافيةٍ لم تعد منزوعة السلاح، حتى منتصف عام 2018، بغية الحفاظ على ترتيبات اتفاقية (فض الاشتباك 1974) التي أفضت إلى عزل القنيطرة عن محيطها السوري، أكثر من 42 عامًا”. وعلى الرغم من خطورة وحساسية ذلك الوجود الاستثنائي، كون غالبية مكوناته تنتمي إلى الجولان المحتل 1967، ويقول إن الأنظار “كانت تتجه إلى العاصمة دمشق، لكن أهمية المكان الجغرافي قد حصرتنا بين احتلالين، في منطقة ذات صراع حيوي”.

سعت “إسرائيل” من خلال محاور عدة، لاستيعاب ذلك الحراك المسلح اللصيق بأرضٍ تحتلها، فتسللت بالقوة الناعمة لاختراق صفوف “الثوار”، من خلال تشبيكٍ مرحلي لبعض العمالات، كـقائد فصيل “فرسان الجولان” في القطاع الشمالي بريف القنيطرة، وقائد “ألوية الناصر صلاح الدين” بالقرب من بريقة في القطاع الأوسط، وفتحت معابرها الإنسانية، وكان معظمها طبيًا في القطاع الجنوبي والأوسط.

لكن دور “إسرائيل” المحوري، خلف كواليس غرفة عمليات (الموك)، ظهر من خلال دعم وتسليح فصائل معينة، على حساب فصائل أخرى، وكان لأثره الفعّال قدرة التحكم في المعارك، وإيقافها كمعركة “وبشّر الصابرين” 15/ 9/ 2015، إلا أن غياب قوات undf، وانشغال مقاتلي “الجيش الحر”، وضعف قدرة الحراك المدني، أتاح لـ “إسرائيل” الاستيلاء على تلة الدرعيات في القطاع الجنوبي، وضمّها خلف شريطها الشائك في بدايات 2013، وفي هذا الصدد، قال (م. ش) (طلب عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية)، من قرية المعلقة المتاخمة للتلة: “وضعت إسرائيل فوق التلة نقطة رصد عسكرية محصنة (تلة الدرعيات: تغطي بالرصد عدة قرى منها قرية المعلقة، وغدير البستان مزارعهما، وصيدا الجولان حتى مشارف قرية البكار)، كما تقدمت عشرات الأمتار في أحراش بريقة وبير عجم، حول نقطة (un)”.

أما شمالًا، فقد ساهمت في تهجير مقاتلي بيت جن وجباتا إلى درعا وإدلب، بعد أن قلبت موازين معركة (فك الحصار) عن بيت جن وجباتا الخشب، منتصف كانون الأول/ ديسمبر 2017، على خلفية استهدافها لمواقع مقاتلي “الجيش الحر” في تلك المعركة، بذريعة عدم سماحها للمقاتلين من الاقتراب من (حضر) ذات الأغلبية الدرزية، على الرغم من أنها سهلت مرور بعضهم في وقت سابق عبر الأراضي، التي تحتلها في الجولان، وانتهت المعركة بظهور أحد قياديي (اتحاد قوات جبل الشيخ) المدعو إياد كمال، والملقب بـ (مورو) كعراب للمصالحة، مع “كنانة حويجة” ممثلة لروسيا ونظام الأسد، وتوقيع اتفاق (مصالحة) عادت بموجبه سيطرة قوات الأسد على (مزرعة بيت جن) و(بيت جن) و(مغر المير) بريف دمشق الغربي، إضافة إلى التلول الحمر بريف القنيطرة القطاع الشمالي في وقت سابق.

وعي فطري

تدرك “إسرائيل” أن القاعدة الشعبية في القنيطرة ترفض وجودَها، وإن اضطرتهم ظروف الحصار إلى إسعاف الحالات الحرجة إليها، بعد إغلاق المنافذ الأردنية. ويوضح مدير هيئة الإدارة والتغيير في القنيطرة سابقًا السيد موسى الجناطي أن “النازحين الفارين من شدة قصف قوات الأسد، من قرى القنيطرة إلى الحدود الأقرب مع الجولان، رفضوا الدخول عبر البوابة، التي فتحتها إسرائيل لاستقبالهم على تخوم بلدة الرفيد عام 2014″، على الرغم من أن الأرض وراء الشريط الشائك، هي أرضهم المحتلة عام 1967.

المشهد ذاته تكرر بزخم وطوفان من مئات آلاف النازحين من قرى درعا الشرقية والغربية، والقنيطرة ابتداء من الشهر السادس عام 2018، على الشريط الحدودي مع الجولان المحتل، الذي بدا فيه بوضوح انهيار القاعدة الشعبية، ولا سيما بعد سقوط ريفي درعا الشرقي والغربي، وبشكل أكثر بعد مجزرة نوى 19/ 7/ 2018.

استعادة… استيلاء؟

تبيّن أن تشكيل (غرفة العمليات المركزية في الجنوب السوري) كان شكليًا، على وقع المعركة الأخيرة الخاسرة في تموز/ يوليو 2018 التي لم يتسن لها أن تبدأ، فقد قُضمت اللجاة، مرورًا بمعبر نصيب، وبصر الحرير، وبسقوط تل الحارة ذي الأهمية الاستراتيجية غرب درعا، تكللت سيطرة نظام الأسد على الجنوب السوري برمته، وفق ترتيبات روسية ـ إسرائيلية وبغطاء أميركي، وبلا دور للأمم المتحدة، التي أصدرت اتفاقية (فض الاشتباك) 31/ 5/ 1974.

الاتفاق الجديد 20/ 7/ 2018، فرضته روسيا بالقوة، كان قد نص على خروج عناصر “هيئة تحرير الشام”، ومقاتلي “الجيش الحر” ممن لا يرغب في المصالحات 21/ 7/ 2018، وهو ما مهّد الطريق لإعادة القنيطرة (أقل من 500 كم، من أصل 1862 كم، تحتلها إسرائيل) إلى سابق عهدها، قبيل اندلاع ثورة السوريين 2011.

التنسيق الروسي مع قيادات المصالحات، أمثال قائد فصيل “شباب السنّة” سابقًا المدعو (أحمد العودة)، وغيره في درعا، انسحب على قيادات أخرى شبيهة في ريف القنيطرة، وظهرت كنانة حويجة، مرة ثانية، بوصفها عرابة للروس والنظام، وأخذت توزع الولاءات بين الفيلق الخامس تحت الإشراف الروسي، وبين الفرقة الرابعة تحت الإشراف الإيراني، وفي خضم حالة الهلع، والفوضى جراء نزوح معظم قرى ريفي درعا والقنيطرة نحو الحدود مع الأردن (قرابة 65 ألف نازح) ومع الجولان المحتل (قرابة 340 ألف نازح) سقط (تل مسحرة)، وبالتالي بلدة مسحرة، وأخلى المقاتلون تل (المال) في (مثلث الموت) لشدة القصف، كذلك غادرت “هيئة تحرير الشام” تلّ (الجابية) بريف درعا الغربي للسبب ذاته أيضًا، وفي اليوم الثاني من مسير قوافل التهجير، كان قائد (أنصار السنة) سابقًا الملقب (أبو درويش)، يقود قوات الأسد لتسليمهم تل أحمر الشرقي، وتل أحمر الغربي.

في الوقت ذاته، أجبر القصف الجوي العنيف “جيش خالد بن الوليد” المبايع (تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش) على ترك تل الجموع، لكنهم استغلوا خلوّ مواقع “الجيش الحر”، فانتشروا في الخواصر الرخوة من ريف القنيطرة، في قرقس وقصيبة وغدير البستان، والمعلقة وصيدا الجولان حتى بلدة الرفيد؛ فدمّرت قرقس، واستهدفت قصيبة وغدير البستان بكثافة، ما أدى إلى تراجع التنظيم إلى مواقعه في حوض اليرموك، ليخرج من تبقى منه بعد ذلك باتفاقية إلى البادية السورية قرب السويداء، فيما كان قائد الفرقة الأولى مشاة (أبو جعفر ممتنة) يفتح الطريق للضباط الروس، وآخرين تابعين لقوات الأسد عبر طريق جبا – أم باطنة، حتى مشارف بلدة بريقة، في القطاع الأوسط. ولم يُسجّل دخول لقوات الأسد إلى البلدة إلا لعناصر من الأمن العسكري، برفقة قائد (لواء ابن تيمية) سابقًا الذي أدى دورين: الأول الإرشاد إلى أماكن الأسلحة، والألغام (نظرًا لخبرته العسكرية) والدور الثاني ما تعلّق بمهمات “المصالحات”، وملاحقة الفارين من الشباب في القطاعين الأوسط والجنوبي. وأُسند إلى (ألوية الفرقان) التي تسلم قيادتها المدعو “العربيني”، دورُ تأمين حماية الحدود مع الجولان المحتل حتى سعسع.

مع الاستيلاء على تلال الحكم (تل الجابية – تل الجموع – تل أحمر الشرقي – تل أحمر الغربي – تل الحارة) ثُبّت (حاجز أبو الليل) على مدخل القنيطرة، من جهة درعا طريق نوى – الرفيد، بزعامة قائد (تجمع الأحرار) سابقًا (أبو خليل جبيلية)، إضافة إلى نصب حاجز للمخابرات الجوية في آخر قرية المعلقة وتمامًا أمام تلة الدرعيات، أما شرق القنيطرة من جهة استراد السلام، فجرى تدعيم حاجزين للمخابرات الجوية: أحدهما تحت جسر سعسع، والثاني قبل السومرية، إضافة إلى (مفرزة الكوم) التابعة للأمن العسكري على مفرق “أيوبه”، وكذلك حاجز للأمن العسكري على الطريق القديم لمدخل القنيطرة.

في ظل وقوع القنيطرة بأسر قوات الأسد من جديد، وعودة قواتundf  لعملها؛ استولت “إسرائيل” على قرية (كفر الما) 2 / 11/ 2018، وضمتها لأراضي الجولان المحتل عام 1967، خلف الشريط الشائك، بعد أن أُحكمت دائرة الإغلاق على القنيطرة من كل الجهات، لتشكل المنطقة الحيوية في الصراع عمقًا أمنيًا بامتياز لـ “إسرائيل” من (معرية) في أقصى الجنوب حتى (تل شهاب)، ومن تلي أحمر الشرقي والغربي حتى مدينة (نوى) بريف درعا الغربي، ومن تل (الفرس) حتى تل (الحارة)، ومن (جبل الشيخ) حتى مشارف ريف دمشق الشرقي، ويبقى السؤال: ماذا بعد استعادة “إسرائيل” عمقها الأمني في الجنوب السوري؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق