مقالات الرأي

هل بقاء الأسد أمر واقعي؟

خفَت صوت حملات التبشير ببقاء الأسد التي تلطّت خلفها دولٌ عدوة وصديقة وشخصيات وفاعلون سياسيون، والتي بدأت ألحانها من فرنسا بتصريح رئيسها الشاب، بأن “الأسد ليس عدوًا لفرنسا بل عدو الشعب السوري”، وآخر من رتّل أنغامها مبعوث حقوق البشر دي ميستورا، في إحاطته لمجلس الأمن في أيلول/ سبتمبر الفائت، بأن قوات الحكومة ومناطقها تتعرض لقصف بقذائف هاون تحمل بصمات المعارضة، بينما تتعرض إدلب لقصف جوي لم يتسنّ له التأكد من هوية صاحبه، تخللها زهوّ منصة موسكو، بعد إخطار الرياض وفد الهيئة العليا للمفاوضات، بأن الوضع في سورية يتطلب رؤية مختلفة تتماشى والعقيدة الدولية الجديدة، بعد أن قبضت روسيا على الملف السوري، وأصبحت الحلول مرهونة بتصوراتها.

يرتكز أصحاب المواقف السابقة على باكورة “الواقعية السياسية”، بوصفها مقاربة شمولية للعلاقات الدولية، تبجّل الدورَ المركزي للقوة في السياسة، إذ إنّ من تلهج ألسنتهم باختزالية المصطلح، وإطلاق أحكام نهائية بأن الأسد انتصر واقعيًا، وسيطر ميدانيًا على مساحات واسعة ستحسن موقعه على طاولة المفاوضات السياسية، يتناسون أنّ الواقعية التي تنظر إلى الحروب التقليدية بين دولٍ اختل توازن القوى والنفوذ على سكونية العلاقة بينهما، ليكسب أحدهما الحرب ويفرض شروطه على الآخر، لا تنسحب -بطبيعة الحال- على ديناميكية ثورة شعبية، بوصفها رغبة تغييرية عميقة مجتمعية وثقافية، وإن كان أحد أبعادها عسكريًا أصيبَ بخللٍ في موازين القوى والتطورات الميدانية، بمفاعيل دعمٍ خارجي غير متكافئ، كما يغفلون عن جوانب القصور المرتبطة بالقوة وبالطرائق التي يمكن من خلالها أن تخذل نفسها بنفسها، ويعمد أيضًا إلى خلط غير منطقي بين منطقَي الثورة والسياسة، فليست الثورة، كما السياسة، فنًا للممكن، ولا تتعامل دومًا مع الأحداث بعقلانية، ولا حدود لمطالبها، ولا تخضع لتسويات، نخطئ ونخسر كثيرًا؛ إن لم نتلمس الخيوط الدقيقة بين المركبين، على الرغم من أهمية السياسة للثورة، وبخاصة بالنسبة إلى الحدث السوري، وما يحويه من تقاطعات بين ثورة شعب وقضايا سياسية خارجية غريبة، فالسياسة لا تعرّف بأنها مركب متعالٍ على الثورة، يفضي فشلها إلى فشل محتوم للثورة، وإن كانت ممارستها باحترافية تفضي إلى تقصير الطرق وتقليل فاتورة الدم.

ليست مقارنة (أخيل – سلحفاة) بعيدة عن الواقع الداخلي، حيث سارعت سلطة بجلب آلة حرب مشهود لها على مجتمعٍ انسلخت عنه، وتعالت عليه ظنًا منها أن الأمر لن يطول كما في الثمانينيات، ولم تعر اهتمامًا لتغير الظروف؛ فورثت بلدًا منهَكًا مدمّرًا، وفقرًا وبطالة وفوضى، وعوزًا حادًا في موارده وانخفاضًا في إنتاجيته؛ بفعل الأعمال العسكرية وحركات النزوح خارج البلد، واقتصادًا يعتمد على هِبات الحلفاء والمساعدات الإنسانية، ووعيًا متدرجًا في الميدان السياسي لا تُحبّذه السلطة، فلم تعد السياسة حكرًا عليها وعلى أروقتها التقليدية، ولا مقتصرة على أحزابها الهجينة المصطنعة، بل أضحت تُمارس في التجمعات السكانية البسيطة والبدائية بعد قطيعة عقود، ولن ينسى هؤلاء طعم الحرية السياسية، وتجربة أن يكون للبشر رأيٌ في وطنهم لا تُصادره سلطة مستبدة.

ظرف آخر محكوم بمآل الأمور في سورية هو الواقع الخارجي المعقد وانعكاساته على  الداخل السوري بشكل خاص، والإقليم بشكل عام، وتغيير خارطة الاصطفافات باستمرار، والثابت الوحيد الواضح، ضمن هذه اللوحة المعقدة، والذي لا يصبّ بالضرورة في مصلحة السلطة، هو أن سيطرة الأسد وحلفائه على كامل البلاد هي قرار دولي، يبدو غير متوفر نظرًا إلى حجم التعقيدات الميدانية والجغرافية وتشابك أطراف إقليمية ودولية مصالحها متنافرة، على الرغم من أن النظام السوري وحلفاءه أحرزوا تقدمًا في مناطق عدة، واستعادوا أراضي سيطر عليها (داعش) سابقًا، في حملة منسقة ترافقت مع إعادة بعض المهجرين (ريف دمشق الجنوبي)، وإغلاق مراكز إيواء (دمشق)، لعكس صورة أن الاستقرار آيل إلى العودة، وأن النصر قاب قوسين أو أدنى من أن يتحقق، فإن أبرز ما يُدلّل على فشل هذه “الهمرجة”، كما راهن دائمًا النظام على صناعتها وبيعها، هو تعثّر حملته العسكرية التي كلفت (داعش) بضعة أيام، لتضعضع عمل صيف كامل بفضل قواته المنهكة ونقصها عدديًا، بما يحول دون إمكانية الحفاظ على الأرض، علاوة عن خيبة أمل للعائدين إلى مدنهم، فلا بنية تحتية ولا ماء ولا كهرباء ولا أبسط مقومات الحياة.

في الواقع المفترض، ثمة اعتقاد بأن العالم سلّم روسيا قيادةَ الملف السوري وتوزيع الحصص على الدول الإقليمية المنخرطة، وينتظر منها أن تضع الخطوط النهائية للحل السياسي الذي يجلب الاستقرار لسورية والمنطقة، بعد الفراغ الذي خلفته أميركا، لكي يبارك خطواتها، وأن ثمة استدارات تقوم بها دول الشرق الأوسط، منها السعودية وتركيا، بالتوجه نحو العباءة الروسية، منطلقة من أن موسكو وفيّة لحلفائها ولا “تُبازر” عليهم وعلى مصالحهم، كأميركا البراغماتية.

في الواقع، لم تُحرز روسيا تقدمًا استراتيجيًا في سورية، عدا تثبيت الأسد واستخدامها الآلة العسكرية الفظة، وعلى الرغم من كل محاولاتها الالتفافية على قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن ذات الصلة وابتداعها مسارات موازية؛ لم يعترف لها العالم بدورها هناك بعد، ولم يُبارك حتى الآن خطواتِ موسكو في أستانا، بما يُفضي إلى ترجمتها كقرارات دولية، وأضحت تلهث وراء فصائل عسكرية هنا وهناك، تعقد معهم نظام “خفض توتر”، لتوحي للعالم -عبر ماكينتها الإعلامية النشطة- بأنها ضامنة سلام وتعمل كطرف حيادي، بل أدار العالم ظهره لمسارها السياسي، وأخذ يبتزها في إعادة الإعمار بحكم قدراتها الاقتصادية المتواضعة، ويبدو أيضًا أنه ليس بعيدًا عن الواقع إدراك موسكو ذاتها، بأنها لن تستطيع فرض حل سياسي من دون شريك “محرز” كأميركا، واتفاقيةُ خفض التوتر في درعا وثباتها خيرُ شاهد أمام هشاشة باقي الاتفاقات، كما تعي قدرة أميركا على إزعاجها والإضرار بصورتها، بدءًا من قصف الشعيرات، ومرورًا بإلهائها في البادية، بينما تتقدم  قوات (قسد) حليفة أميركا شرق الفرات بسرعة كبيرة.

يُشير واقع الحال إلى أن ثمة من يريد لموسكو أن تغوص أكثر في المأزق السوري، ولم يحن بعدُ وقت مساعدتها. وما استدارة تركيا باتجاهها إلا ورقة ضغط ترفعها بوجه الغرب، لتحسين موقعها وأخذ مخاوفها على محمل الجد، علاوة عن تنفيس أي دعم روسي للأكراد في سورية، ولا يخرج التقرب السعودي الأخير من حيّز ضمان صمت موسكو عنها في اليمن، وخاصة بعد تقارير الانتهاكات التي عرضتها الأمم المتحدة.

في الواقع المفترض، لم تعد سورية استراتيجيةً لأميركا، كما قال رئيس هيئة الأركان أمام جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأميركي، فلا مطامع ولا مصالح سوى القضاء على (داعش)، ولكن واقع الأمر أن الطائرات الأميركية سابقت الزمن لتحقيق تقدّم ميداني، يُعكّر على الروس والنظام صفو قطعهما ضفة الفرات الشرقية، وأنشأت على عجل غرفة عمليات عسكرية، ونقلت مؤازرات من الرقة لإكمال التقدم. ومن الناحية الاستراتيجية؛ لا تبدو أميركا في عجلة من أمرها، ولا تقول ما تريد، قبل تحسين مواقعها على الأرض، عبر قواعد عسكرية وتفاهمات مع قوى محلية، لتزيد نفوذها في المنطقة.

طبعًا، إذا استمرت التوافقات الموضعية والمرحلية بين روسيا وأميركا، ولم تترق وتتفلت وتنقل الصراع إلى مستويات أخطر على الحدود السورية – العراقية، وضُبِط إيقاع القوات المتقدمة المتنافسة وقواعد الاشتباك بينها؛ فستكون استحقاقات ما بعد (داعش) و(هيئة تحرير الشام) قريبة، وهي كفيلة لوحدها بأن تُعيد معركة السوريين إلى جوهرها، بعد أن حرفتها ظروفٌ وقوى واهمة، عن هدفِها المتواضع، ومن غير المؤكد أن تفاعلات ما سبق، الداخلية والخارجية، تصبّ في مصلحة بقاء الأسد واقعيًا، لكن المؤكد أن التاريخ لن يعود إلى الوراء، ولن يقوى أحد على مواجهة إرادة التغيير المتدرج والمتقدم، وإن كان المعبر السياسي ما زال متواضعًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق