تحقيقات وتقارير سياسية

مؤامرة أم ثورة ناعمة!

 

ما الذي يجري في المملكة العربية السعودية؟ سؤال طُرح في الساحة العربية والدولية، عقب سلسلة من الأحداث الخاطفة والمفاجئة، تناقلتها وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، منذ الرابع من الشهر الجاري، في البلد الذي عُرف بنظامه المستقر والمغلق لعقود طويلة.

بدأت الصاعقة بإعلان رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري استقالته من منصبه، خلال زيارته للرياض، مبررًا موقفه بتجاوزات “حزب الله” في لبنان، واستخدامه السلاح ضد الشعبين السوري واليمني، ثم بعد يوم من استقالة الحريري، جاء خبر إطلاق الصاروخ الباليستي (بركان 2) تجاه مطار الملك خالد في الرياض، ومن ثم خبر توقيف تسع وأربعين شخصية بارزة من الأمراء والوزراء السعوديين السابقين والحاليين في فندق (ريتز كالتون)، بينهم الملياردير الوليد بن طلال، بعد ساعات على تشكيل الملك السعودي لجنةً لمكافحة الفساد، برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ثم ما لبثت السعودية أن أعلنت عن تجميد أموال الموقوفين.

وتحطمت، يوم الأحد الفائت، مروحية بمنطقة عسير، راح ضحيتها نائب أمير المنطقة، الأمير منصور بن مقرن، ابن ولي العهد السابق مقرن بن عبد العزيز، وبعد حين أغلق التحالف العسكري جميع المنافذ المؤدية إلى اليمن، لمنع تدفق السلاح إلى الحوثيين، كما صدرت لائحة جديدة بأسماء شخصيات ممنوعة من السفر، يوم الثلاثاء الفائت، تبعتها موجة من الاعتقالات وتجميد ألف وسبعمئة حساب مصرفي، وجميع هذه الأحداث الاستثنائية تشير إلى وجود صراع داخلي عميق، وتغيرات جذرية في هياكل المملكة السعودية.

حاولت بعض التحليلات والتكهنات التشكيك والطعن بالتطورات الأخيرة، على اعتبارها مؤامرة أميركية إسرائيلية تستهدف إيران و”حزب الله”، وبعضها الآخر حاول التقليل من شأن الإجراءات على اعتبار أنها صدرت عن حاكمٍ يرغب في التخلص من خصومه، وبسط سيطرته المطلقة لعدة عقود في المستقبل، في حين أبدى محللون آخرون ارتياحهم للقرارات الجديدة، بعد ربطها بسياق خطة الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي التي وعد بها ولي العهد السعودي؛ لتحديث المملكة، والقضاء على التطرف و”العودة إلى الإسلام المنفتح على جميع الأديان والتقاليد والشعوب”.

تأويلُ ما يجري في السعودية بالمؤامرة مضحكٌ؛ لأن المملكة لم تخفِ يومًا تحالفَها الوثيق مع الولايات المتحدة، ولا استعدائها للمخطط الإيراني في المنطقة، بل بدت أكثر وضوحًا هذه المرة، حين أكدت أنها ستبدأ المواجهة بضرب ذراع إيران: “حزب الله”، والحوثيين، كما أن رفع الحصانة عن الأمراء والوزراء الفاسدين الذين كانوا يهيمنون على اقتصاد البلد، يُعدّ إجراء لا يمكن الاستهانة به أو بتداعياته المستقبلية، لا سيّما أنه جاء بعد مجموعة من القرارات الإصلاحية، كمنع دوريات الشرع، وتعديل مناهج الدراسة، والسماح للنساء بقيادة السيارات، وجميعها يؤدي إلى تحجيم سلطة المؤسسة الدينية وصلاحياتها التي كانت تطبق على مفاصل الحياة العامة.

وفقًا لنظام الحكم الأساسي، فإن المملكة السعودية التي أسسها عبد العزيز بن عبد الرحمن آل السعود عام 1932، هي دولة عربية إسلامية، دستورها كتاب الله والسنة النبوية، ونظام الحكم فيها ملكي في أبناء الملك المُؤسس وأبناء الأبناء، انطلاقًا من مبايعة الأفضل، وبموجب هذا الأساس؛ استطاعت السلفية الوهابية أن تُحكم قبضتها على واحدة من أكبر دول الشرق الأوسط، يُصنف اقتصادها ضمن أكبر اقتصاد عشرين دولة في العالم، دولة ظلت إلى وقت قريب تصرّ على انتهاك حقوق المرأة وتنفيذ أحكام الجلد والإعدام في الساحات العامة ومنع افتتاح دور للسينما، وغيرها من الأحكام الجائرة.

ولو أن الأمر اقتصر على حدود المملكة؛ لكان بالإمكان اعتباره شأنًا داخليًا، لكن الصورة المتوحشة، عن الإسلام السني وأمرائه الفاسدين، انتشرت إلى باقي أرجاء المنطقة العربية والعالم، بكل ما أفرزته من صور وتيارات أكثر تطرفًا، بدءًا من القاعدة وحتى دولة الخلافة، وجميعها روّعت المواطنين العزل، في الشرق والغرب، على حد السواء.

لم تكن المملكة السعودية بمنأى عن مؤثرات الربيع العربي، وما تزال تشهد أشكالًا من الحراك السلمي لإصلاح قوانين الدولة واحترام حقوق الإنسان، ولعل هذا الحراك الذي سمعنا صوته الهادئ، عبر شبكات التواصل الاجتماعي، خصوصًا (تويتر)، بدأ ينتج ثورته الناعمة، ليس فقط على مستوى المجتمع المدني، بل أيضًا على مستوى القيادة الحاكمة، وهو ما يبعث التفاؤل، فإن قُيض لهذا الحراك أن ينتصر على التطرف والانغلاق والفساد؛ فسينعكس إيجابًا على كافة دول العالم العربي والإسلامي عمومًا، وعلى الثورة السورية بشكل خاص.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق