أدب وفنون

التحديات الكبرى- الدين في مساره التاريخي، والتاريخ في مساره المعرفي

يتضمن الكتاب حوارًا، بين المؤرخ البريطاني المعروف أرنولد توينبي، والمفكر الياباني الشهير دايساكو إكيدا، في عدد من المسائل التي تهم الإنسان في كل مكان.

يُعد أرنولد توينبي Arnold Toynbee (1889-1975) من أبرز فلاسفة التاريخ في العالم، ترتكز فلسفته للتاريخ على نظرية (الحلقات) التي تقول بأن التاريخ العالمي هو الحصيلة الإجمالية للحضارات المختلفة التي مرّت بالأطوار نفسها: الولادة والنمو والانحدار والانحلال ثم الهلاك.

كان توينبي أستاذًا للغة البيزنطية واليونانية الحديثة وآدابها وتاريخها، في جامعة لندن من 1919 حتى 1924 ثم مديرًا للدراسات في المعهد الملكي للشؤون العالمية، منذ 1925 حتى تقاعده سنة 1955.

أبرز مؤلفاته (دراسة للتاريخ) التي تتألف من اثني عشر مجلدًا، أنفق في تأليفها واحدًا وأربعين سنة، إضافة إلى مجموعة من المؤلفات الأخرى منها (البقاء في المستقبل)، (العالم والغرب). ترتكز نظرية توينبي وفلسفته على الدين، فما دام الله واحدًا؛ فيجب أن تكون البشرية أيضًا واحدة. الدين -بالنسبة إلى توينبي- يمثل التقدم الروحي الذي من دونه تذهب كل الجهود الأخرى سدى، فهو يعتبر عمله كمؤرخ “نوعًا من السعي لرؤية الله، وهو يعمل في التاريخ، فالواقع الروحي الكامن خلف الظواهر هو الهدف النهائي لأي بحث”، ولا سبيل إلى درأ الشر؛ إلا إذا استعان الإنسان بالديانات العليا (اليهودية، المسيحية، الإسلام، البوذية، والهندوسية) لأنها قادرة على مساعدته في التغلب على أنانيته المستحكمة في نفسه، فالرسالة العالمية للديانات هي التي توحد البشرية، وبقاؤها في وحدتها. وهو لا ينتمي إلى أي من هذه الديانات، بل يشاركها في قيمها الروحية؛ وهو بذلك لا يتجاوز ما أنتجه العقل البشري، وثورته العلمية والصناعية، بل يطمح بتزاوج منجزات العقل والدين، وهذا أكبر من أن يبشر به رجال الدين، أو المؤسسات الدينية! لذلك تراه ليس متعصبًا لعقيدة أو عرق أو جماعة: “إن ولائي الأسمى هو للبشر، وليس لدولتي المحلية، وليس للمؤسسة التي تسيطر على هذه الدولة”. في هذا الكتاب لم يأخذ توينبي موقع الأستاذ، فالحوار الذي هو سمة الكتاب، كان بين شخصين، كلٌّ منهما يعرف أن لدى الآخر ما يجهله هو، لذلك نراه يستوضح من محاوره عن مسائل كثيرة.

أما الفيلسوف الياباني المعاصر دايساكو إكيد Daisku Ikeda فهو من أبرز المفكرين الذين ركزوا على أن ثورة الإنسان على داخله هي الشرط الضروري للتقدم.

ولد إكيدا في طوكيو سنة 1928 ودرس الفلسفة. وفي عام 1960 أصبح الرئيس الثالث لمنظمة (سوكه غاكاي) لدعم التربية والثقافة والسلام، ثم أسس (جامعة سوكه) ومتحف الفن الفوجي، إضافة إلى عدد من المعاهد والمدارس. اعتمدت فلسفة إكيدا على تأكيد حرية الإنسان، من خلال تثوير إدراكه لها، وعدم تبني القيم إلا بعد امتحانها: “الحلول ليست بإصلاح الأنظمة، يجب البدء بامتحان القيم أولًا، فالقيم هي التي تشكل فعل الفرد”. عُرف عن إكيدا أنه من أنصار السلم العالمي، باعتباره قيمة شاملة.

ألّف إكيدا أكثر من أربعين كتابًا، أشهرها رواية (الثورة الإنسانية) و(رسائل الفصول الأربعة) وبين 1971 و1974 اجتمع توينبي وإكيدا في لندن، وكان بينهما هذا الحوار الذي سجله وأعدّه ريتشارد غيج للنشر. وقد ظهرت الطبعة الإنكليزية الأولى منه، بعنوان (اختر الحياة).

هذا الحوار هو حوار الشرق والغرب.. لا الشرق السياسي، فهذا متبدل، بل الشرق الأزلي تمثله اليابان عبر دايساكو إكيدا، وبين الغرب الذي يمثله أرنولد توينبي. يركز المتحاوران على التعارض بين التكنولوجيا التي لا تاريخ، والتاريخ الذي هو تراث الأمة، ورصيد البشرية الذي كونته الأجيال. إضافة إلى التعارض بين الصناعي والطبيعي، من الصعب تلخيص كتاب كهذا، يمكننا الإشارة إلى الموضوعات التي ناقشها الكتاب، والعناوين الكبرى لتلك الموضوعات التي تمحورت حول الخير والشر، وأهمها موضوع الحرب والسلاح، زوال الدولة المحلية، الإعلام وحرية النشر، الديمقراطية والدكتاتورية، وما تفرع عن تلك المواضيع.

وعلى الرغم من الاختلاف بين الخلفيتين الدينية والثقافية للمتحاورين، فإن حدًا ملحوظًا من الاتفاق، في وجهات نظرهما وأهدافهما، قد ظهر في حوارهما. إن اتفاقهما بعيد المدى، ونقاط اختلافهما تعتبر طفيفة نسبيًا؛ فهما يتفقان على أن الدين هو النابض الرئيس في الحياة الإنسانية، كما يتفقان على أن الإنسان ينبغي أن يكون مكافحًا على الدوام للتغلب على نزوعه الفطري، أي التغلب على أنانيته وتوسيعها؛ حتى تتساوى في امتدادها مع الواقع الجوهري لكينونته الإنسانية.

الكتاب: التحديات الكبرى

الحياة والدين والدولة

المؤلف: أرنولد توينبي- دايساكو إكيدا

ترجمة: محمود منقذ الهاشمي

إصدارات وزارة الثقافة- دمشق 1999 – 2000

يقع الكتاب في (462) صفحة من الحجم العادي ويحتوي على (12) فصلًا مبوبًا.

مقالات ذات صلة

إغلاق