أدب وفنون

الرقصة الأخيرة

 

كدتُ أرقص من الفرح، وأنا أسمع اللواء مصطفى التاجر، رئيس فرع فلسطين، وهو يقول لي في نهاية المقابلة: نحن نحترمك، لأنك شاعر وطنيّ، وفي الحقيقة نأسف لاعتقالك. فاجأني ذاك الاعتراف، وإن كان بيني وبينه، ولكني سألته إن كان يستطيع أن يعطيني وثيقة مكتوبة تؤكّد كلامه، فتملّص وهو يضيف، ويمكنك الآن أن تمضي مع السلامة، وأن تبلغ رفاقك الأربعة والعشرين الذين هم معك، أننا سنطلق سراحهم دون أيّ تعهّدات أمنية أو سياسية. كدت أرقص من الفرح، لأن هناك رفاقًا كانوا قلقين منذ أن قال لنا رئيس قسم الأحزاب في الفرع إن أمورنا منتهية، ولكن رئيس الفرع في الطريق، ويريد أن يقابل فرج قليلًا، ثم كل شيء سيكون على ما يرام. قلت له: إذا كان الأمر كذلك؛ فدع الآخرين يمضون، وأنا أنتظر رئيس الفرع. أجابني: وهل تعتقد يا أستاذ أن من صلاحيتي أن أقوم بذلك؟

غريب. خاطبني، بوصفي أستاذًا، أعني لم يستخدم لغة الشتائم المعتادة! ولكن على الرغم من لطفه في الحديث، بقي هناك رفاق قلقون من أن تكون ردّات فعلي مع رئيس الفرع حادّة بعض الشيء، فأربك أمورهم أكثر مما هي مربكة.

في الحقيقة، كان قول اللواء سابقةً، أعني أنها تحدث للمرة الأولى مع معتقلي حزبنا. في العادة يطلبون ممن انتهى حكمه أن يوقّع تعهّدًا بأنه سيبلغهم بأسماء كل من سيزورونه، وبأنه سيبلغ عن أي أمر يراه مخالفًا أو خطيرًا على أمن الدولة، وبأنه سيترك العمل السياسي، وغير ذلك من الإذلالات والاشتراطات المهينة.

هناك كثير من المعتقلين السياسيين، ممن انتهت أحكامهم وبقوا شهورًا إضافية، وأحيانًا سنة وسنتين، وبعضهم أعيد من الفرع إلى سجن صيدنايا، ليمضي ثلاثة أعوام زيادة على حكمه الظالم في الأصل.

حين كان رئيس الفرع يحاول إقناعي بأن سورية الآن غير التي أعرفها سابقًا، وأن رئيسها الشاب كذا وكذا وكذا. سألته عن موضوع التعهُّد، فقال: وهل طلب أحد منك أي تعهُّد؟ قلت: لا أحد يستطيع أن يأخذ مني تعهدًا، حتى لو كان مضمونه أني أتعهد بحبّ أمي التي أحبّها في الواقع أكثر من كل مَن وما يمكن أن يخطر في ذهنك، ولكني أتحدث عن 24 رفيقًا معي وستطلبون منهم تعهدات. أشار بيديه وبملامح وجهه أن لا.. لن يحدث ذلك.

في الحقيقة، كنت أختبر في حديثي مع رئيس الفرع مدى جديتهم في تغيير سلوكهم الأمني، ومدى اضطرارهم إلى الإفراج عني. ولم يكن عندي مشكلة في إعادتي إلى سجن صيدنايا، فأنا أعرف أن ضريبة اعتقالي صارت مكلفة بالنسبة إليهم أكثر من كلفة الإفراج. قلت له: أرى أن من الأفضل أن لا تفرجوا عني، فأنتم اعتقلتموني من أجل قول أقل من عشرة في المئة مما أعرف الآن، وأنا سأقول الآن كل ما أعرف. قال: نثق بوطنيتك، ويمكنك أن تقول ما تريد. قلت: إذا طلبتموني ثانية؛ فسأهرب وأتخفّى، وستتعذبون ربما أكثر مما تعذبتم سابقًا حتى تعثروا عليّ.

كان القرار واضحًا بالإفراج عني، حتى لو كنتُ مشاكسًا واستفزازيًا. سائق الميكروباص، المكلَّف بنقلنا من فرع فلسطين إلى مركز دمشق وكراجات انطلاق الباصات إلى المدن الأخرى، كان عنصرَ أمن بالطبع، وسائقو سيارات التاكسي التي وراء الميكرو أيضًا عناصر أمن. نزلنا قرب مبنى وكالة (سانا)، ورفضنا الاستجابة إلى كل دعوات سائقي التاكسي الذين كانوا خلف الميكرو. في النهاية اخترنا تاكسي بعيدة قليلًا عن المكان. قلنا للسائق: من فضلك إلى مخيم اليرموك. جلس رفيقنا سمير، ابن مخيم اليرموك، بجانب السائق، وأنا واثنان آخران في المقعد الخلفي.

هناك أمور كثيرة تغيّرت في معالم دمشق.. جسور وأنفاق وشوارع وتفريعات لم تكن من قبل. أحسست بأني غريب عن هذه المدينة، أنا الذي يحفظ كل الطرق إلى مخيم اليرموك مشيًا على قلبه وبوسائط النقل عمومًا.

في الطريق، سأل رفيقُنا سمير سائقَ التاكسي عن مكان عمله، فارتبك السائق ثم أجاب: في فرع الأمن العسكري. ضحك سمير ورفع كفه ليضربها بكف السائق، ثم قرر سمير أن ننزل قبل المكان الذي ينبغي أن ننزل فيه، لنمشي بعدها مسافة طويلة إلى بيت صديق قديم لنا.

كان همّي أن أتحدث مع أمي، لأبلغها بإطلاق سراحي، وبأني سأزور أهالي بعض أصدقائي الذين ما زالوا في السجن. صديقنا في مخيم اليرموك رتّب لي الأمور؛ فاتصلت بأمي وأبلغتها بخططي. كدت أرقص من الفرح أيضًا، وهي تقول لي: أصيلٌ يا ولدي، ولم تخيِّب ظني بك.. يجب أن تطمئن أهالي جميع من تعرفهم ممن لم يُفرَج عنهم.

في اليوم التالي، تحدّثت مع أحد إخوتي أسأله عن كيفية مجيئي من دمشق إلى حمص، فأغرقني بتفاصيل مربكة ومعقّدة عن شركات البولمان المتعددة، وعن أن الشركة الفلانية دقيقة في مواعيدها، والشركة الفلانية لا تحترم مواعيد السفر وتضلِّل المسافرين.

قبل اعتقالي، كان هناك كراج واحد، للباصات الشعبية، من دمشق إلى معظم المدن السورية، وكان حينها شركة بولمانات واحدة تدعى “الكرنك” وهي للطبقة الوسطى ولميسوري الحال. وصلت من دمشق إلى حمص انطلاقًا من كراج مختلف عما أعرف، ووصلت في حمص إلى كراج مختلف عما أعرف. هل يمكن، لأربعة عشر عامًا من الغياب، أن تُحدِث كل هذه الفروق؟ كانت نومة أهلِ كهفٍ صغيرة.

كان الأسد الأب قد مات، وكان وريثُه لبنيَّ الأسنان بعد، ولهذا كان استقبال أهالي قريتي لي أشبه بالعرس، أعني على نحوٍ نقيضٍ لما حدث مع أخويَّ الأكبر والأصغر مني، اللذين أُفرِج عنهما قبلي بسنوات.. حينئذ كانت زيارة أيّ منهما تكلِّف الكثير، لأن تهمة الأكبر “إخوان مسلمون”، والأصغر “معاداة أهداف حزب البعث الحاكم”.

استقبلني بعض إخوتي في الكراج، وكان معهم أبناؤهم الصغار والفتيان وبعض أبناء أعمامهم وعمّاتهم.. كان الأولاد والفتيان يرقصون ويغنون في خلفية سيارة صالون مغلق، كما لو أنهم شبابًا أو رجالًا. لم أعرف أحدًا من الأولاد.. كلُّ من رأيتهم وُلِدوا بعد اعتقالي. فوجئت، بعد دخولنا في أول القرية، بحجم العمران الجديد الذي حال دون معرفتي للتفاصيل التي كنت أعرفها.

فجأة انعطف أخي نحو اليسار، فسألته إلى أين يذهب، فقال إلى البيت. قلت له إنني كنت أنتظر أن أرى الجبّانة القديمة، لأعرف أين بيتنا، فضحك وهو يشير إلى حديقة: هذه الحديقة صارت مكان الجبانة التي كنت في شبابك تنوي تحويلها إلى حديقة وملعب رياضي.

نعم في شبابي كنت أنوي ذلك. هي جبانة قديمة ليس فيها أي قبر لأحد من أهالي القرية، وهي مليئة بمزابل تعود للأسر المجاورة للمقبرة، وترعى فيها الأغنام، ولم يتحرّك الحسّ الديني لدى إمام المسجد وبعض من هم وراءه إلا حين نوى الشباب تحويل المقبرة من مكان للمزابل ورعي الأغنام إلى مروج وملاعب رياضية.

تابع أخي طريقه إلى الساحة التي تتوسّط حارتنا. كانت محتشدة بالناس. أنا أكره صوت الرصاص، وقد رجوت الجميع أن لا يطلقوا الرصاص. بعضهم استجاب وبعضهم للأسف لم يستطع مقاومة رغبته في استثمار أي فرصة لإطلاق الرصاص.

في المساء، أو بعد ردح من الليل، جاءت أختي الوسطى إلى قاعة الرجال وطلبتني. قالت لي: أمّكَ تريدك. مضيت معها إلى قاعة النساء.. كل نساء القرية بالنسبة إليّ أمهات وأخوات، فلم أفاجَأ بما يحرجني.. ربما كنت ابن القرية، وليس ابن أمي وأبي فقط، ولهذا فإن الصبايا والنساء لا يحجبن أنفسهنّ عني.

كانت أمي، التي أعرف أنها لا تستطيع المشي أكثر من بضع خطوات، ترقص كطائر. كان في يديها منديلان شفّافان تلوّح بهما، وتشير إليّ أن أتقدّم إلى ساحتها لأشاركها الرقصة. لم أستطع رفض دعوتها، مع أني أخجل عمومًا من الرقص، مهما كانت المناسبة. ولكن كيف للمرء أن يرفض رقصةً تدعوه إليها أمه! تلك المرة الأولى، في حياتي، التي لم أخجل فيها من الرقص. في اليوم التالي.. آااااااااااخ… فقدتْ أمي أي إمكانية على الحركة.. لقد كانت رقصتها الأخيرة.

مقالات ذات صلة

إغلاق