ترجمات

الغارديان: درس من سورية: من المهم عدم تأجيج نظريات المؤامرة اليمينية المتطرفة

 

إن الطريقة التي تنتشر بها القصص المشكوك فيها بعد انتشار مجزرة أسلحة كيميائية في سورية يجب أن تكون مصدر قلق بالغ

شاب سوري يجمع عينات من موقع الهجوم بالأسلحة الكيميائية على خان شيخون في نيسان/ أبريل. تصوير: عمر حاج قدور/ وكالة الصحافة الفرنسية/ صور جيتي.

ما الذي نصدقه؟ هذا هو السؤال الديمقراطي الحاسم. من دون اختيار مستنير، الديمقراطية لا معنى لها. هذا هو السبب في أنّ الديكتاتوريين، وأصحاب المليارات يستثمرون كثيرًا في الأخبار المزيفة. إنَّ دفاعنا الوحيد هو اليقظة، والصرامة والتشكك المستمرين. ولكن عندما يبدو أنَّ بعضًا من الناشطين المتحذلقين الأكثر شهرةً في العالم ضد الدعاية الإعلامية/ البروباغندا يصدقون نظريات المؤامرة؛ تتساءل: أين تتوجه.

نشرت منظمة حظر الأسلحة الكيمائية، الشهر الماضي، تحقيقًا عن الهجوم بالأسلحة الكيميائية على مدينة خان شيخون السورية، الذي أسفر عن مقتل ما يقرب من مئة شخص في 4 نيسان/ أبريل، وإصابة نحو 200 شخص. وبعد دراسة النظريات المتنافسة، والقيام بمقابلاتٍ واسعة النطاق، واختباراتٍ مخبرية، وتحليلٍ جنائي لأشرطة الفيديو والصور؛ خلصتْ إلى أنَّ العمل المشين ناجمٌ عن قنبلةٍ مليئة بالسارين، أسقطتها الحكومة السورية.

ليس هناك ما يدعو إلى الدهشة حول هذا؛ فللحكومة السورية تاريخٌ طويل في استخدام الأسلحة الكيميائية، وتتفق استنتاجات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية مع كثيرٍ من شهادات الشهود. غيرَ أنَّ محاولاتٍ دعائية أساسية سعت إلى تشويه سمعة هذه الشهادة، ووصفتْ الفظائع بأنّها “هجوم مضلل”.

بدأت هذه المحاولة بمقالٍ نُشر على موقع (المصدر) الإخباري، الذي يديره الموالي للحكومة السورية ليث أبو فاضل؛ إذ اقترح أنَّ الهجوم شنّته “قوات إرهابية”، أو أنَّ المواد الكيميائية المخزنة في مصنعٍ للصواريخ قد أُطلقتْ من دون قصدٍ، عندما قصفته الحكومة السورية.

بعدئذ زُينّ الخبر على موقع إنفوارس (حرب المعلومات) وهو منتدى المؤامرة اليمين المتطرف سيئ السمعة. وادعت مقالة (إنفوارس) أنَّ الهجوم نُفذ من قبل مجموعةٍ أولِّ الواصلين السوريين: (الخوذ البيضاء). هذا هو تكرارٌ لنظرية مؤامرة تنتشر مرارًا وتكرارًا، واضعةً هؤلاء المنقذين في دور الجُناة. واقترحت أنَّ الضحايا هم أشخاصٌ اختطفهم تنظيم القاعدة من مدينةٍ مجاورة، وجُلبوا إلى خان شيخون وقتلوا، ربما بمساعدة الحكومتين: البريطانية والفرنسية؛ بهدف “إلقاء المسؤولية على الحكومة السورية”. ألّف هذه المقالة ميمي اللحام، المعروفة أيضًا باسم مرام سوسلي، الفتاة الوطنية، فتاةٌ سورية، وأختٌ سورية. وهي مواليةٌ لحكومة الأسد التي ظهرت على برنامج (ديفيد ديوك)، الفطحل الكبير السابق لكو كلوكس كلان. كما لها دورٌ آخر: “خبيرة”، يستخدمها أستاذٌ متقاعد من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا يدعى ثيودور بوستول، حيث أنتج مجموعةً واسعة من المزاعم التي تشكّك في تورّط الحكومة السورية في هجمات الأسلحة الكيميائية.

في مقابلةٍ مع خبير الأسلحة الكيميائية دان كاسزيتا، كشف بوستول أنَّ “المصدر العلمي المتين” الذي يستخدمه لدعم نظريته حول أصل السارين المستخدم في سورية هو “الأخت السورية”. عندما ظهر كلّ من بوستول، وسوسلي على برنامجٍ يديره ريان داوسون “الرجعي”، شرح بوستول لماذا اختار العمل معها: “كنتُ أشاهدها على (تويتر). كان بإمكاني أنْ أعرف من صوتها.. أنَّها كيميائيةٌ مدربة”. أولًا، ادعى بوستول أنَّ الحفرة التي نشأت من السارين في خان شيخون كانت على الأغلب ناتجة عن عبوة ناسفة أرضية، وليس بواسطة قنبلة أُسقطت من الجو (وهي فرضيةٌ عاينها تقرير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وكشف زيفها بدقة). ثم ادعى أنَّه لا يوجد “دليلٌ يدعم” فكرة أنَّ السارين قد أُطلق من الجو، واقترح أنَّ هناك أدلة قوية تشير إلى أنَّ التسمم الجماعي كان ناجمًا عن قنبلةٍ، أصابت مستودع أسلحةٍ للمتمردين.

كما ادعى أنَّ تقرير المخابرات الفرنسية يتناقض مع القصة القائلة إنَّ السارين قد أُسقط من طائرة؛ لأنَّ التقرير أشار إلى أنَّ السارين أسقطته طائرات هليكوبتر في مكانٍ مختلف. (في الواقع، كان قد خلط بين الهجوم في نيسان/ أبريل 2017 مع هجوم في نيسان/ أبريل 2013). تمت معاينة هذه الفرضيات المتناقضة بصبر، وتحطيمها في ذلك الوقت من قبل المدونين والمحللين.

زارت (الغارديان) خان شيخون، في أعقاب الهجوم -وهي المؤسسة الإخبارية الوحيدة في العالم التي قامت بذلك- وأكدّت أنّه لم يكنْ هناك مستودعٌ للأسلحة بالقرب من مسرح التلوث. مستودعاتٌ محيطة مهجورة، إضافة إلى علَف الطيور، وشبكة كرة الطائرة، كل ما كان موجودًا في الداخل. لم يتعرض أي شخص لهجومٍ في الأشهر الأخيرة. جاء التلوث من ثقبٍ في الطريق، حيث بقايا مقذوف.

ولكن بعد ثمانية أيامٍ من هجوم خان شيخون، جون بيلجر، المشهور بفضح الدعاية والأكاذيب، تمت مقابلته على موقع (كونسورتيوم نيوز). أشاد بـ بوستول بأنّه “الأستاذ المميز في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا”، واقترح أنَّ الحكومة السورية لم تكن قادرةً على تنفيذ الهجوم -كما زعم أنَّها دمرّت ترسانتها الكيميائية في عام 2014- وأكدَّ أنَّ الجهاديين في خان شيخون “كانوا يلعبون بالغازات العصبية والسارين.. منذ بعض السنوات. ليس هناك شكٌّ في ذلك”. على الرغم من الادعاءات العديدة المعاكسة، لم أجدْ دليلًا موثوقًا على أنَّ الجهاديين السوريين يملكون السارين.

في 26 نيسان/ أبريل، ادعى نعوم تشومسكي، في مقابلةٍ مع (الديموقراطية الآن)، أنَّ بوستول، الذي وصفه تشومسكي بأنّه “محللٌ استراتيجي واستخباراتي رفيع المستوى”، قدّم “نقدًا لاذعًا جدا” لتقرير البيت الأبيض الذي أكدَّ أنَّ الحكومة السورية هي المسؤولة. على الرغم من أنَّ تشومسكي وافق على أنَّ هجومًا كيميائيًا قد وقع، وقال إنَّه كان من المعقول أنَّ الحكومة السورية يمكن أنْ تكون قد نفذته، ساهمت هذه المقابلة بإشعال موجة تعليقاتٍ على الإنترنت تؤيد فرضيات بوستول، وترفض احتمال أنْ تكون حكومة الأسد هي المسؤولة. أصبح الجو سامًا: عندما تحديّتُ مزاعم بوستول، اتهمني الناس بكوني متعاطفٌ مع (داعش)، ومتحرشٌ بالأطفال تبتزني الحكومة، وعميلٌ للموساد. ولكن الجنون قد بدأت للتو.

في حزيران/ يونيو، نشر صحفي التحقيقات سيمور هيرش مقالًا في صحيفة (دي فيلت) الألمانية، استنادًا إلى معلوماتٍ من “مستشار كبير في مجمع الاستخبارات الأميركي” الذي أكدَّ أنَّه لم يكنْ هناك ضربة سارين على خان شيخون. وبدلًا من ذلك، قصفت القوات الجوية السورية اجتماعًا للقادة الجهاديين، في “مبنى مكون من طابقين”، بدعم من الروس، وبمعرفة واشنطن الكاملة. وقال هيرش: إنَّ الأسمدة والمبيدات في الطابق السفلي هي من تسببت في التسمم الجماعي. (مرة أخرى، قامت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بمعاينة هذه الإمكانية وكشف زيفها).

فما هو المبنى الذي كان يتحدث عنه؟ سألتُ هيرش أنْ يعطيني إحداثياته: أبسط الأدلة التي تتوقعونها لدعم ادعاءٍ من هذا النوع. يوفر موقع (تيراسيرفر) صور الأقمار الصناعية التي تجعل من الممكن التحقق من أيّ تغييراتٍ على المباني في خان شيخون، من يومٍ إلى آخر. ولكن عندما تحديّتهُ، في أنْ يقدّم الصور، أولًا أرسل إلي روابط للمزاعم التي أدلى بها بوستول، ثم قال لي إنَّ الصور ليست “دقيقة وموثوقًا بها”، بما فيه الكفاية. لأنَّ كلَّ مبنى واضحٌ للعيان، وجدتُ أنّ هذا الادعاء من الصعب أنْ نفهمه ونصدقه.

إنَّ الشكَّ في جميع المزاعم الرسمية أمرٌ ضروري، خصوصًا عندما تتعلق بأسلحة الدمار الشامل، ولا سيما عندما تستخدم كذريعةٍ لعملٍ عسكري، وفي هذه الحالة أُطلقت صواريخ توماهوك بناءً على أوامر دونالد ترامب من مدمرةٍ أميركية، في 7 نيسان/ أبريل. تعلمنا من العراق ألا نثقَ بأيّ ادعاءاتٍ من هذا القبيل. ولكني أعتقد أيضًا أنَّ هناك فرقًا بين الشكِّ والإنكار. بينما في ضباب الحرب، سيكون هناك دائمًا بعض الشك، كما يقرُّ تقرير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

في قناة (فوكس)، في وقتٍ سابق من هذا الشهر، اقترح الكاتب ديفيد روبرتس أنَّ أميركا تواجه “أزمةً معرفية”، بسبب الرفض التقليدي لجميع أشكال الخبرة والمعرفة. تهيمن على السياسة في الولايات المتحدة، وفي أماكن أخرى الآن نظريات المؤامرة الفظة وجنون العظمة، وهي المنصة السردية التي تنشأ منها الفاشية. وهذا، كما يقترح روبرتس، يشكل تهديدًا ملحًا للديمقراطية. إذا كانت آفاتُ الدعاية التي تقوم بها المؤسسة تشجع، حتى من دون قصد، القصص التي لا أساس لها التي قدمها “اليمين البديل”؛ فإننا نواجه مشكلةً أعمق مما يقترح روبرتس.

 

اسم المقالة الأصليA lesson from Syria: it’s crucial not to fuel far-right conspiracy theories
الكاتبجورج مونبيوت، George Monbiot
مكان النشر وتاريخهالغارديان، The guardian، 15/11
رابط المقالةhttps://www.theguardian.com/commentisfree/2017/nov/15/lesson-from-syria-chemical-weapons-conspiracy-theories-alt-right
عدد الكلمات1154
ترجمةأحمد عيشة

 

مقالات ذات صلة

إغلاق