أدب وفنون

“ربيعيّات أدبية” تزهر ترجمات إلى الإيطالية

 

على الرغم من أهميته، والحاجة الماسة إلى مثيلاته، إلا أن صدور العدد الثاني من سلسلة (فصول أدبية) التي تضطلع بمهمة ترجمة أعمال أدبية عربية إلى اللغة الإيطالية ونشرها، يطرح من جديد معضلات الترجمة من العربية إلى اللغات الأخرى، وخصوصًا الإيطالية. لبُّ تلك المعضلات هو أن جهد فردٍ وحيدٍ يقف خلف هذه المهمة، كالعادة، ما يؤدي إلى ظهور مخاطر تحيط بهذا الإنجاز، ليس أولها عدم انتظام الإصدار، وعائديته المادية القليلة، إن لم يكن انتفاؤها وتكرسها عائقًا دائمًا. لذلك، فإن عدم وجود فريق متكامل مهمته الترجمة، وعدم تنطُّع مؤسساتٍ عربيةٍ إلى رعايته، هو ما يمكن أن يحول دون استمرار تواتره، وربما توقفه في مراحل لاحقة، وهو ما لا نتمناه لهذه التجربة الطموحة.

بعد صدور العدد الأول من السلسلة الفصلية الأدبية المذكورة، بالتعاون بين القسم العربي في جامعة (سيينا) الإيطالية (Siena Universita per Stranieri)، ودار باتشيني للنشر (Pacini Editore Srl)، في أيار/ مايو 2016، صدر العدد الثاني، نهاية الشهر الماضي تشرين الأول/ أكتوبر، بعنوان: “نواقيس روما” (Le Campane di Roma). والعمل هو الترجمة الإيطالية لرواية (عشيق المترجم) للكاتب السوري جان دوست، التي صدرت طبعتها الأولى بالعربية سنة 2014، عن دار ورق في دبي. وكان العدد الأول قد تضمن مختارات قصصية للقاص والروائي الأردني/ الفلسطيني محمود الريماوي، اختيرت من عدد من مجموعاته القصصية. ورأى القائمون على السلسلة اختيار تسمية لها هي “ربيعيات أدبية” (Primavere Letterari)، تيمنًا بالربيع العربي، علَّ هذه الربيعيات تزهر ترجماتٍ ومروجًا ثقافية، تحتاج إليها التربة الإيطالية، حين لم يُقدَّر للربيع العربي أن يزهر بعد، ويجعل بلدانه تساهم بمهمةٍ كهذه.

قد يكون فقر الثقافة الإيطالية إلى الأعمال الأدبية المنقولة من اللغة العربية، هو دافع القائمين على السلسلة نحو المساهمة في ترجمة عددٍ من الأعمال الأدبية العربية إلى الإيطالية. ومن كون مترجم هذه الرواية إلى الإيطالية ورئيس الهيئة العلمية للسلسلة، ورئيس تحريرها، البروفيسور السوري عقيل المَرعي، أستاذًا للأدب واللغة العربية في جامعة سيينا للأجانب، ومؤسس القسم العربي فيها؛ فقد رأى -كما كتبَ في مقدمة العدد- ضرورة إطلاع المتلقي الغربي، وخصوصًا دارسو الأدب واللغة العربية من الإيطاليين، على نماذج من هذا الأدب.

أما موضوع اختيارها الأعمال العربية للترجمة، وهي السلسلة المحكمة التي تضم بين أعضائها رئيس جامعة سيينا، ورئيس قسم الدراسات الإنسانية، وأستاذة علم الأعراق البروفيسورة أليساندرا بيرسيكتي، وغيرهم من الأكاديميين والكتاب الإيطاليين، فهنالك عنصر مهم تتمتع به يحدد هذا الأمر. إنه اعتمادها -كما جاء في مقدمتها- على لجنة تحكيم سرية، تحدد الأعمال التي يمكن أن تحظى بالترجمة والنشر. أما أهمية ذلك فنابعة من كون هذه اللجنة تدرك ما يهم القارئ الإيطالي، وما تتطلب المرحلة، فهذا القارئ يبحث في ثقافة الشعوب الأخرى، عن أشياء تختلف عن ثقافته لا تشبهها. كما أنها تركِّز -كما تفعل دور نشر غربية كثيرة- على مدى حضور الكاتب في الثقافة العربية ومدى تمثيله لهذه الثقافة لدى القارئ العربي.

من هنا، ربما، اختارت اللجنة ترجمة أعمال الكاتب جان دوست، حيث وضوح تفاصيل البيئة الكردية في أعماله، فقد أعادت الحرب الدائرة في سورية اهتمام المواطن الغربي، ومؤسسات بلاده، بمشكلاتنا وتفاصيل تاريخنا. وتزامن مشروع اختيار الأعمال للترجمة مع عودة اهتمام الغرب بالقضية الكردية الذي ساهمت فيه المواجهة التي وقعت بين الفصائل الكردية و”تنظيم الدولة الإسلامية”، في كوباني/ عين العرب، أواسط سنة 2015، وعودة موضوع منطقة الإدارة الذاتية الكردية في “روج آفا” للتداول، وهو الموضوع الذي تابعه الإعلام الغربي فترة ليست بالقصيرة. إلا أن هذا الأمر لا يعنى أن تعفي المؤسسات الثقافية العربية نفسها من مهمة نقل الأعمال الأدبية إلى اللغات الأخرى، إذا يمكنها اعتماد هذه المعايير في اختيار ما تريد ترجمته، بدلاً من ترجمة أعمالٍ قد لا تجد صدًى لدى المتلقي الغربي، وينجزها أفراد لا مؤسسات.

أشار المترجم البروفيسور عقيل المَرعي، في المقدمة التي كتبها، إلى أن هذه الترجمة، (عشيق المترجم)، هي الجزء الأول من الرواية، وأعطيت تسمية (نواقيس روما)، مما يوحي بأن ثمة ترجمة آتية، في عدد لاحق لرواية دوست (نواقيس روما)، وهو ما لم يأتِ المترجم على ذكره، لكن، علينا توقعه. أما ما عدا ذلك فسيجعل المشروع ناقصًا، إذ إن (نواقيس روما) التي صدرت سنة 2016، عن دار الساقي في بيروت، تعد استكمالًا لسيرة البطل، وهو مترجمٌ اسمه “عشيق” ابن التاجر رشدي، الشركسي الأنطاكي، حيث تخبرنا الروايتان أن “عشيق” عاش، بين أنطاكية وروما، في القرن الثامن عشر.

مع أن قارئ النصين باللغة العربية يَلمَح إمكانية قراءة كلٍّ منهما على حدة، وبلا تراتبية، من دون أن يلحظ فجواتٍ في السرد، لكنَّ تكرُّر الشخصيات والأماكن والحوادث والتواريخ، يجعلهما عملًا واحدًا. وبينما تتحدث الرواية الأولى عن طفولته وشبابه وتحقيقه رغبة والده في السفر إلى روما، لتعلم اللغة الإيطالية واللاتينية، علاوةً على قصة حبه “إستر” الفتاة اليهودية، وهي القصة التي تجعل العمل يدور حول التسامح والتعايش بين الأديان؛ تتحدث الرواية الثانية، عن عودته إلى أنطاكية بعد أن أمضى ستًّا وخمسين سنة في روما، حيث يستعيد في الرواية تلك الفترة، في عملية استرجاعه الحوادث التي عاشها هناك.

من المبكر الكلام عن كيفية تلقي القارئ الإيطالي هذا العمل، لكن، تلقي القراء الطيب العدد الأول من السلسلة الذي تضمن ترجمة مختارات من قصص الكاتب محمود الريماوي، وما نُشِرَ من دراسات وتعليقات عليها، يعطي انطباعًا جيدًا عمَّا سيكون عليه الأمر. فالمختارات التي صدرت بعنوان “سحابةٌ من عصافير” (Una Nuvola di Uccelli)، واختارها وترجمها البروفيسور المرعي أيضًا، كان لها وقع جيد لدى المتابعين، واستقبلتها صحف ومجلات كثيرة بنشر خبر صدور المختارات والتعليق على أهمية سلسلة من هذا النوع. وساهم في اختيار الريماوي للترجمة التصاق أدبه بقضية الشعب الفلسطيني، وإبرازه حوادث اقتلاعه من أرضه ولجوئه في دول الجوار، وإرهاصات قضية تقرير مصيره وعودته. واختيرت القصص المترجمة من مجموعتي “لقاء لم يتم” (دار الكندي، عمَّان 2002)، و”سحابة من عصافير” (دار الساقي، بيروت 2006).

أما بالنسبة إلى الوسط الأكاديمي فقد أقرَّت عدة جامعات السلسلة، واعتمدتها كي تدرَّس فيها. وقال عنها البروفيسور ماسّيمو باليرمو، رئيس قسم اللغات في جامعة سيينا: “إنها تشكِّل حالةً ثقافية متميّزةً”، وأضاف: “إنها أول سلسلة تقدِّم الأدب العربي كما يراه العرب، لا كما يراه الغرب”. وقالت عنها البروفيسورة أليساندرا بيرسيكتي، وهي المستعربة الإيطالية: “استطاعت السلسلة أن تقدِّم الأدب العربي، بلغةٍ إيطاليةٍ موازيةٍ ومكافئةٍ للبيان العربي”. كما دُعيَ رئيس تحرير السلسلة، البروفيسور عقيل المَرعي، لإلقاء محاضرة في المعهد الإيطالي للدراسات الإفريقية والشرقية ISIAO، التابع لوزارة الخارجية الإيطالية، من أجل التعريف بالسلسلة وتقديم آخر إصداراتها، وهو ما يعكس أهميتها، ويدفع القائمين عليها للمضي في مشروع الترجمة الطموح هذا.

على الغلاف الأخير من الكتاب-السلسلة، إشارة إلى أنها ستُصدِر ترجمة لرواية (البيت الأزرق)، للكاتب اللبناني عبدو وازن (ضفاف، بيروت والاختلاف، الجزائر ومكتبة كل شيء، رام الله، 2017)، كذلك رواية (ألواح)، للكاتب اللبناني رشيد الضعيف (دار الساقي، بيروت 2016). وتأتي إشارة المترجم، على صفحته على موقع جامعة سيينا الإلكتروني، إلى عزمه ترجمة كتاب صقر أبو فخر “في نفي المنفى – حوار مع عزمي بشارة” (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2017)، لتدّل على أن المشروع يخطط للاستمرار وربما تنويع اختياراته. ومن هنا، تبرز ضرورة رفد السلسلة بمترجمين آخرين، كي يصبح تواتر صدورها أكثر من مرتين في السنة، كونها مقتصرة حاليًا على مترجمٍ واحدٍ. وحريٌّ بمشروع كهذا أن يدفع المؤسسات الثقافية العربية إلى تبنّيه، أو على الأقل، تبنِّي فكرته واعتماد آلياته، من أجل النجاح في مهمات ترجمة الفكر العربي، إضافة إلى الأدب، إلى لغاتٍ أخرى، يكون مكملًا لمشروعات الترجمة الفردية الحالية ورافعًا لها.

مقالات ذات صلة

إغلاق