مقالات الرأي

الفشل السوري المفتوح على المستقبل

منذ أن تجسد أول شعار قومي عاطفي عام 1958، حتى آخر تصريح قومجي بائس عام 2017، انقضت نحو 60 سنة. هذه ليست فترة قصيرة في حياة الشعوب، إذ يمكن خلالها بناء أوطان ودول حديثة أو أخذ أخرى إلى الجحيم. لقد صار من الواضح الآن أن الفترة الممتدة بين عام 1958 ومؤتمر سوتشي، المزمع انعقاده أوائل الشهر القادم، كانت مرحلة من التقهقر التاريخي في سورية “السايكس بيكوية”، وقد تحولت فيها، من مشروع دولةٍ كانت تَعِد بالكثير إلى ميدانٍ لتجارب الاستبداد وتعسّفه، وصولًا إلى الخراب الحالي، بعد أن تم القضاء على ديمقراطية أواسط الخمسينيات الوليدة، بالضربة القاضية منذ إعلان الوحدة المصرية-السورية، وأسدل الستار عن إمكانية التطور الطبيعي للمجتمع السوري، بما في ذلك النظام القانوني-المؤسساتي لدولة وليدة، وضع أسسها الاستعمار، وأوقعتها التجاذبات السياسية المحلية والانقلابات العسكرية والصراعات الإقليمية والدولية، في قبضة الدكتاتوريتين الناصرية والبعثية، أو من حكم باسمهما.

في منتصف ستينيات القرن الماضي، عند دخولي المدرسة، كان المشهد الذي انطبع في ذهني هو طابور الأطفال الذين يحملون كؤوسهم البلاستيكية لملئها بالحليب من وعاء يتصاعد منه البخار، وبجانبه كيس مكتوب عليه “هدية من الشعب الأميركي”، مع رسم ليدٍ أميركية تصافح يدًا ما بائسةً من دول العالم الثالث، فيما كانت تُبثّ الأغاني والشعارات المعادية للإمبريالية الأنكلو-أميركية، من مكبر الصوت في باحة المدرسة! مهما كان سبب تلك المساعدة، ربما هو الجفاف الذي حلّ على سورية في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، فقد انتهت الحال في بداية العقد الثاني من هذا القرن بطوابير لا تحصى من السوريين المنتظرين، لا للحصول على سلال المساعدات وحسب، بل للخروج من “الجحيم السوري”، وطلب الأمان في كل الأصقاع والبلدان الممكنة.

وشيئًا فشيئًا؛ تحولت الشعارات الواعدة التي ترافقت بالكثير من القرارات الارتجالية والإنجازات الاستعراضية المؤقتة، إلى غطاء لفساد معمم وتحالفات لصوصية، لم توفر شيئًا ذا قيمة من ثروات البلد، فضلًا عن امتهان كرامة السوريين واسترخاص حيواتهم. بالطبع، لا يمكن أن يصبح الجميع لصوصًا، وهم بحاجة ماسة -كما جرت العادة على امتداد تاريخنا الطويل- إلى من يتحدث عن الإنجازات والقيم السامية، عبر وسائل الإعلام المؤممة والمساجد، بهدف إلهاء الجماهير وإخماد مظاهر الاحتجاج ضد الظلم. توفّر مكمّلات الاستبداد هذه الكثير من المتاعب، بما في ذلك الاقتصاد في عمليات القمع، وفبركة الوقائع على مقاس رغبات القائمين على السلطة والمتحكمين بالثروة.

لم يقتصر المنافحون عن “صوابية المسيرة” والدعوة إلى الصبر والتصبر والدعاء للحاكم، على مثقفي السلاطين ورجال الدين، فقد تمّ رفدهم أيضًا بالساعين وراء أوهام العقائد القومية والشيوعية، والذين وجدوا الفرصة ما زالت متاحةً للعمل كأجراء عند الأنظمة المستبدة، من خلال الدعوة إلى الالتزام بالمبادئ التالفة وإنعاشها.

والآن، نشهد نهاية مرحلة طويلة من “الفشل السوري” الذي سيتكرس عمليًا، في مؤتمر سوتشي. المدعوون السوريون الكثر إلى هذا المؤتمر سيتلقون الإملاءات التي سيتفق عليها رؤساء روسيا وإيران وتركيا، في اجتماعهم المقرر 22 من الشهر الجاري بلا اعتراض، وسيوقعون -سواء أكانوا ممثلي النظام أم المعارضة- على صك هزيمتهم وتسليم أمورهم وإراداتهم إلى التحالف الروسي التركي الإيراني الجديد. بذلك؛ سيكون مؤتمر سوتشي تاريخيًا بحق، كونه سيشهد اعتراف السوريين بهزيمتهم ضمنًا، وتقديم مفاتيح بلدهم وإراداتهم إلى هذا التحالف الدولي الهش، لكن القادر على إخضاعهم في هذه المرحلة.

يبقى الأمر معلقًا بانتظار معرفة حجم التعديلات التي سيجريها الشريك الأميركي، الحاضر الغائب، على مخططات هذا التحالف، وقد ربط الأميركيون سحب قواتهم من المنطقة الشمالية الشرقية، بتحقق الحل السياسي النهائي في جنيف. لكنّ أكثر ما يقلق الولايات المتحدة -وهي لم تتجاوز مرحلة القلق بعد- هو ازدياد نفوذ “الحشد الشعبي” في العراق، الذراع الضاربة لإيران في هذا البلد، والذي قد ينتهي بابتلاع الدولة العراقية، كما فعل “حزب الله” في لبنان.

لن تنتهي الحرب قريبًا، بلا غالب ولا مغلوب، إنما بهزيمة السوريين جميعهم ومشروع دولتهم، في المدى المنظور على الأقل. في الواقع، خيارات السوريين في هذه المرحلة محدودة للغاية، إن لم تكن معدومة، وسواء ذهب البعض إلى المؤتمر أو رفض البعض الآخر الذهاب إليه؛ فلن تتغير النتيجة، وسيكون عدم الحضور مجرد تسجيل موقف لا أكثر. أما اجتماع المعارضة الموسع في الرياض، في 22-23 من الشهر الحالي، فقد أُعلن عن أنه سيناقش مشاركة المعارضة في مؤتمر جنيف القادم، وتحسين شروط التفاوض، كما صرح رئيس الائتلاف الحالي، وكأن حضور مؤتمر سوتشي أمرٌ مفروغ منه، في أجواء من الخلافات والاستقالات المتتالية لأعضاء الهيئة العليا للتفاوض، يفرضها التحول المستمر في السياسات الإقليمية.

في كل الأحوال، لن توفر ارتدادات زلزال “الربيع العربي” نظامًا في المنطقة التي سيُعاد تشكيلها ببطء وثبات، من أجل الدخول في العصر، ليس من خلال استخدام التقنيات الجاهزة فقط، إنما عبر تحديث العقول والأفكار والأنماط التي لم تعد تتوافق مع التطور، وما يحدث في السعودية، في هذه الأثناء، مجرد حلقة أخرى، من سلسلة التحولات المستمرة على هذا الصعيد. في نهاية المطاف، سيتم إجراء تعديلات جوهرية على بعض أنظمة الحكم المستبدة والتخلص من بعضها الآخر. وعلى الرغم من كل هذه المنعطفات، ها هي عملية التغيير المتوقفة في سورية منذ نحو 7 سنوات تتواصل، ولو بطريقة مخاتلة ومكلفة. لقد انفتح التاريخ على مسارات عدة، وعلى السوريين التفكير مليًا في اختيار الأنسب منها، في أقرب وقت ممكن.

مقالات ذات صلة

إغلاق