هموم ثقافية

ويحدثونك عن التنوير!

 

خرجت أوروبا، مع بدايات القرن الرابع عشر، من ظلمات عصورها الوسطى، لتعيش عصر نهضة دام حتى القرن السابع عشر، أي حتى بداية الأزمنة الحديثة التي بلغت ذروتها في القرن الذي تلاه: عصر التنوير والثورة الفرنسية. كانت الإنسانيات هي منعطفها الرئيس، لكن النهوض لم يقتصر على الآداب، أو على مجرد استعادة التراث اليوناني واللاتيني، بل شمل مختلف جوانب الحياة الفكرية والسياسية والاقتصادية، فضلًا عن ثورات الإصلاح الديني التي ما كان لها أن تستقر من دون الحروب الدينية التي فتكت بعدة دول أوروبية، طوال النصف الثاني من القرن السادس عشر.

بداية عصر النهضة في أوروبا، كانت -أيضًا- بداية ما سمي “عصر الانحطاط” في العالم العربي، الذي ظهرت محاولات الخروج منه مع ما سمي اتفاقًا “عصر النهضة العربي”، اعتبارًا من بدايات القرن التاسع عشر، غير أن هذه التسمية لم تكن تعني في استخدامها سوى هذه النهضة الأدبية التي عرفتها بلاد الشام ومصر، والتي لم تكن -رغم طموحها- على غرار سابقتها الأوروبية، لا في المضمون المعرفي والواقعي، ولا في المنجزات الفعلية المثمرة فكريًا وثقافيًا وعلميًّا، ولا في ظروفها السياسية والاقتصادية. لذلك بقيت في الأدبيات العربية المدرسية مقتصرة على بعض التجديد الأدبي، ولا سيما في تخليص النثر العربي من بلاغته الشكلية، أو في الترجمات السريعة والكثيفة، لما سماه الشيخ محمد عبده، في ثمانينيات القرن التاسع عشر، (الرومانيات)، مُعَرِّبا الكلمة الفرنسية (roman) التي تعني “الرواية”.

ذلك أن محاولات النهضة الحقيقية في ما وراء ذلك كانت، في الحقيقة، تستهدف استعادة عصر تنوير حقيقي، في كل مجال من مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية. ويمكن اعتبار المحاولة التنويرية الأولى، في الفكر وفي التعليم، تلك التي حاول القيام بها، في مصر، في العقد الثالث من القرن التاسع عشر، وبعد عودته من باريس، الأزهري السابق: رفاعة رافع الطهطاوي، صاحب كتاب (تلخيص الإبريز في تلخيص باريز)، ضمن إطار المشروع السياسي الأوسع لمؤسس الدولة المصرية الحديثة: محمد علي. أما الثانية فكانت تلك التي قام بها أزهري آخر هو طه حسين، من خلال كتابه (في الشعر الجاهلي)، في منتصف العقد الثالث من القرن الماضي. بين هاتيْن المحاولتين التنويريتيْن، ما يقرب من قرنٍ لم يعرف العالم العربي خلاله، من ناحية، إلا مشروعات إصلاحية ذات روح عقلانية، بقيت حبيسة الإطار العام السائد ولم تكن، بفعل ذلك، قادرة على تحقيق قفزة أو على إحداث تغيير حقيقي، وكان أشهرها مشروع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وفكرة الجامعة الإسلامية؛ ومن ناحية أخرى، وقوعه تدريجيًا تحت السيطرة الاستعمارية الغربية المباشرة أو غير المباشرة، بدءًا بالجزائر عام 1830، وانتهاء بسورية عام 1920.

هاتان المحاولتان، على ما بينهما من فارق زمني شاسع، وعلى اختلاف ظروفهما السياسية، تلتقيان في مضمونهما العام عند نقاط عدة: أولاها ابتعادهما عن الطرح التقليدي لإشكالية التقدم التي انتشرت في أجواء النخب الثقافية أو الدينية “المستنيرة”، ولا سيما اعتبارًا من منتصف القرن التاسع عشر، والماثلة إما في التساؤل الذي طرحه البعض: كيف نتقدم ونبقى أنفسنا، أو كيف نستفيد من التقدم التقني الغربي، من دون أن نفقد شخصيتنا الثقافية والحضارية؟ أو في صيغة “الأصالة والمعاصرة”. وثانيتهما المسيرة العقلانية لكل منهما، في رؤيته لمسألة التقدم، والكيفية التي تبنى بها أي عملية نهضوية وتنويرية حقيقية: الأول في استثمار عناصر التقدم في الغرب، وإن كان أغلب ما في القوانين العقلية والشرائع الوضعية المطبقة فيه “ليس من كتاب الله تعالى، ولا من سنة رسول الله (…)، لتعرف كيف حكمت عقولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك وراحة العباد”؛ والثاني، في الاستحواذ على حرية إعادة قراءة التراث الثقافي المؤسس، لا من أجل تقديسه أو الوقوف عنده، بل من أجل إخضاعه لمناهج النقد العقلاني تمهيدًا لاستعادته، أي استثماره في مشروع مستقبلي. أما ثالثة نقاط الالتقاء فهي الكيفية التي استقبل بها جهد كل منهما، وكيف تكالب عليهما سدنة السلفية أو الجمود أو “الأصالة”، في أغبى قراءاتها.

على أن المفارقة في ظروف الرجلين جعلت مصير مبادرتهما التنويرية متشابهًا (حتى لا نقول واحدًا). كانت مبادرة الطهطاوي تندرج ضمن مشروع أوسع للنهضة والتنوير والتحديث، أطلقه محمد علي في المجالات العلمية والفكرية والصناعية والحربية، بعد أن أمسك بزمام السلطة في مصر كليًا. أي أنها لم تكن مبادرة فردية كتلك التي قام بها طه حسين. لكنه، مع ذلك، واجه النفي تارة والإقصاء تارة أخرى؛ بفعل تأثير بعض من خصوم مشروعه المعاصرين الذين لم يكونوا مختلفين عن خصومه اليوم. فالطهطاوي الذي كان في فرنسا وأبدى، بعد عودته منها، إعجابه بفكرة الحرية والمساواة -وهما إلى جانب الإخاء شعار الثورة الفرنسية- اللتين عقد لهما فصلًا في كتابه (المرشد الأمين للبنات والبنين)، يجد من ينتقده بإجحاف، متهمًا إياه بعدم إدراكه “أن نَقْل هذه الآراء إلى المجتمع الإسلامي يمكن أن ينتهي إلى النتيجة نفسها: نَبْذِ الدِّين، وتَسْفِيه رجاله، والخروج على حدوده”، لأنه “لم يدرك ذلك ولم يلاحظ إلا الجانب البرَّاق الذي يأخذ نظر المحروم من الحرية..”. سوى أن رفض مشروع الطهطاوي كان ضمن عملية القضاء على مشروع محمد علي نفسه.

أما مبادرة طه حسين، فقد كانت مبادرة فردية، لا يحميها أو يؤطرها مشروع سياسي أعم. وكانت -كما أدرك خصومها- إنذارًا بثورة عارمة وعميقة، يمكن أن تهز أركان المجتمعات العربية السادرة في سباتها طوال أربعة قرون، على هامش العصر وخارج التاريخ. لم يكن إنكار “جاهلية” الشعر الجاهلي ما أثار حفيظةَ (حتى لا نقول رعب) السلفيين والمحافظين، بل المنهج العقلاني الذي كان ينذر بخلخلة اليقينيات ونزع القدسية عنها، كي تصير ثيمة من ثيمات التفكير، تقبل النقاش وتحتمل القبول أو الرفض على هدي الحجة أو البرهان.

هكذا وُئدت هذه المبادرة في مهدها، مثلما وئدت إلى جانبها مبادرة معاصرة لها، لا تقل دلالة عنها، وإن كانت أقل منها جذرية وشمولًا وطموحًا، وهي تلك التي أطلقها علي عبد الرازق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم).

صحيح أن ذلك حدث في عشرينيات القرن المنصرم، إلا أن الوضع -كما نرى- لا يزال على حاله في العالم العربي. فمثلما حوكم طه حسين وواجه حكامَه منفردًا، بعد أن تخلت عنه كافة الأحزاب السياسية الوطنية، ومثلما حوكم كذلك علي عبد الرازق، وطرد من وظيفته، ونزعت عنه ألقابه العلمية، كذلك واجه نصر حامد أبو زيد، بعد سبعين عامًا من سلفيْه، الخصومة الشرسة ذاتها ونتيجتها التي أدت إلى نفيه نفسه خارج وطنه.

ومع ذلك، لا يزال الحديث جاريًا، هنا وهناك، عن “التجديد” وعن “ضرورة الإصلاح الديني”، وعن “ضرورة عصر تنوير آخر”، في عالم عربي تنتشر فيه، كالفطر، فضائيات يستغل ممولوها كل تقنيات التنوير؛ كي يبقى الظلام سائدًا فيه، وكي يبقى دعاته هم الغالبون.

أما النظم العربية فقد استعادت قدراتها الصحية العدوانية ضد كل محاولة أو مبادرة للتغيير، في تواطؤ صريح أو خفي مع أنصار الظلمات المعاصرين.

مقالات ذات صلة

إغلاق