مقالات الرأي

تدوير الثياب وتدوير الأفكار

 

الكثير من المواد المنشورة التي أقرؤها، سواء في الصحف والمجلات أو في مواقع التواصل الاجتماعي، أشعر أنها مكررة، وكأني قرأتها في وقت سابق، من دون أن أستطيع تحديد اسم الكاتب أو الموقع الذي نشرها. ولكي أكون أكثر تحديدًا، لم يكن من طبعي تصيد هفوات الناس، ثم محاسبتهم عليها، كما فعل، ويفعل، دائمًا نـظامُ الأسدين مع السوريين، عندما كان يصدر القوانين التي يعرف تمامًا أنها غير قابلة للتطبيق؛ كي يدفع الناس دفعًا إلى مخالفتها، مؤقتًا، كي يصبحوا تحت طائلة المسؤولية إلى وقت الحاجة. وللأمانة لا بدّ من القول إن نظام الأسدين لم يكن فريدًا في هذا الباب، فقد قلدته، في هذا السلوك، أغلب المؤسسات التي أسسها السوريون المعارضون، بمعنى أنهم أعادوا تدوير وإنتاج ثقافة النظام، بعد أن غيروا الشعارات، وألوان بعض الكلمات، مع الاحتفاظ بالنواظم الفكرية التي تتحكم بالأفراد والمجتمع. وما حجم الاتهامات والشتائم بين بعضهم إلا دليلًا إضافيًا على ما أدعيه.

في تدوير “البالة”:

بحكم الحاجة التي تحولت، مع مرور الزمن، إلى عادة، نشتري أنا وزوجتي، قسمًا كبيرًا من ثيابنا من “البالة”. بالنسبة إلي، هذه العادة بدأت قبل خمسين عامًا، عندما كان العثور على ثياب جديدة مقبولة الجودة، ورخيصة الثمن، أمرًا نادرًا في “سورية الأسد”. وخاصة مع رفد الطبقات الفقيرة بعدد وفير من أبناء الطبقة الوسطى. أما في مونتريال، فقد كنا فقراء منذ لحظة وصولنا، وكانت “البالة” ملاذنا الوحيد للحصول على حاجاتنا، في مجتمع -من حسن الحظ- لا يهتم بالمظاهر، وإنما بالنظافة نظافة الجسد والثياب. ثم اكتسبنا لاحقًا ثقافة تدوير ثيابنا، فبدلًا من رميها في حاوية الزبالة، كنا ننقلها إلى الكنائس أو الجمعيات التي كانت توزع الثياب المستعملة على المحتاجين.

في السنة الأخيرة، زادت مشترياتنا (أنا أكثر من زوجتي)، من الثياب المستعملة والعدة التي أحتاج إليها في البيت، ليس تمامًا بسبب الحاجة، وإنما لممارسة متعة الشراء والإنفاق، ولوقوع أحد محال البالة في طريق حركتنا اليومية، وأحيانًا كانت زيارة محلات “البالة” نوعًا من الرشوة لزوجتي، غير المكلفة لي.

من الصدف أن يكون الاسم الفرنسي، لأحد أشهر محالّ البالة في مونتريال، هو (رنيسانس)، وترجمة الاسم حرفيًا تعني البعث أو الإحياء أو النهضة. صحيح أن المعنى الاقتصادي للاسم يشير إلى مدلولات سياسية، ولكن المعنى المباشر -وهو المقصود هنا- هو إعادة تدوير الثياب وبث الروح فيها من خلال العرض الجيد؛ كي يتشجع الناس على اقتنائها من جديد، ولكن الحقيقة الساطعة أن من يشتري هذه الأغراض هم فقراء مونتريال، وإذا أردنا معرفة حجمهم، فعلينا مقارنة زيادة عدد المحال مع زيادة عدد الفقراء، خلال ثلاثين عامًا الماضية، فبعد أن كان هناك شركة واحدة تهتم بهذا النوع من التجارة؛ أصبحنا نرى عشرات المحال والشركات تتعاطى التجارة نفسها.

في نهاية هذا الصيف، اكتشفنا أننا اشترينا أكثر من مرة الثياب نفسها التي تبرعنا بها، وأرسلناها سابقًا “للتدوير”، ويبدو أن العين والعقل اعتادا على ألوان معينة، وعلى نماذج من التفصيلات، وعلى أنواع من الأقمشة، فما إن نراها حتى تمتد أيدينا إليها، ونكتشف ذلك عند محاولة استخدامها من جديد، ونعرف أن محاولاتنا للتجديد كانت وهمًا.

تدوير المعارضة السورية:

برهنت أحداث الثورة السورية الدامية على أمرَين اثنين: أولاهما أن تقدَّم واستمرار هذه الثورة سيغيّر وجه العالم، وقبل ذلك سيغير وجه المنطقة كلها دون استثناء، الأمر الثاني أن من نصب نفسه ممثلًا للثورة السورية كان في حكم “الثياب البالية”، وقد تم تحسينهم وتنصيبهم، إقليميًا وعالميًا، على رأس المعارضة؛ كي يسارعوا إلى فتح “دكاكين البالة”، لاستقبال الزبائن، “الثوار” فيها وإكسائهم منها. ولو تأملنا قليلًا بظروف عقد المؤتمرات، منذ مؤتمر أنطاليا عام 2011 وحتى مؤتمر الرياض ومؤتمر سوتشي 2017؛ لأمكننا إحصاء مئات السوريين الذي ادّعوا أنهم قادة الثورة الذين اختارهم الشعب لقيادة ثورة من أهم ثورات العالم. ولكن التدقيق في مكونات هؤلاء الناس يكشف أنه تم ترحيلهم من “بالة” إلى أخرى، وعلى الرغم من تقديم أنفسهم بحلل جديدة مع كل مؤتمر، فإن التطورات سرعان ما كانت تسقِط الصبغة الجديدة عن ثيابهم، وكانت الحركة كفيلة على برهنة بقاء هؤلاء المعارضين في الماضي، الذي كان أحد أسباب استمرار حكم آل الأسد، وأحد أسباب ثورة السوريين.

وإذا وسعنا دائرة البحث قليلًا، من خلال متابعة منتجي الأفكار سياسيًا وفكريًا، ومن خلال كتاباتهم السياسية والفكرية والأدبية، فلن نعثر في العمق إلا على كلام مكرر، ومعاد ترتيبه، وجمل إنشائية لا تسمن ولا تغني من جوع. وهكذا نجد “البالة” في كل مكان، في مكاتب المعارضة، وعند الكتائب المسلحة، وفي المناهج الدراسية، التي يُفترض أن تكون جديدة، وفي كل الاجتماعات التي ما تزال تتكون من عصابات، تعمل تحت شعارات مختلفة: علمانية وإسلامية وديمقراطية وليبرالية، و و.. إلى آخر الصيحات التي تصل إلى ما بعد الحداثة.

أخيرًا، إذا كان مرض حب “البالة” هو حالة فردية -كحالتي- لا ضرر منها إلا على جيبي ومظهري العام؛ فإن انتشاره في أوساط السياسة والفكر هو مصيبة، تدل على حجم الخسائر التي سيمنى بها المجتمع السوري، وعلى الثمن الباهظ الذي سيدفعه لاحقًا، كي يعرف أن لا بد من العمل، لانتصار الثورة ولو بعد حين.

مقالات ذات صلة

إغلاق