تحقيقات وتقارير سياسية

عندما “يُحاضر” الأسد عن دعم مقاومة فلسطين

 

سمعتُ بعضًا مما قاله بشار الأسد أمام ما سُمّي “الملتقى العربي لمواجهة الحلف الأميركي الصهيوني الرجعي العربي ودعم مقاومة الشعب الفلسطيني”، وعلى الرغم من طول العنوان الذي خطه النظام، إلا أنه ينسجم وطول كذبته المفضوحة والممجوجة، وما يهمنا هنا حضور الفرع الفلسطيني، من الشخصيات والأحزاب والحركات، التي قبلت أن تتلقى محاضرة بوزن العنوان، وعلى أي حال، لم تعد مهمة ذلك الفرع المتحول إلى جوقةٍ تهلل لسفاح شعبها والشعب السوري، بعد انهيار كل شيء، بدءًا من اللغة وانتهاء بالأخلاق.

شأنها شأن التيارات القومجية المضمحلة مع شعارات الأسد، ترتب جوقة الفرع الفلسطيني مكانَها في الصف الأول، أمام الطاغية؛ لتتبارك بما يدلقه عقل السفاح، مع أن بعض الحضور يُقدّم نفسه “مناضلًا”، منذ ستينيات القرن الماضي وخمسينياته، أي قبل مجيء الأسد الابن إلى الحياة، وقبل انقلاب الأسد الأب مغتصبًا السلطة، هنا يتشرنق “المناضل” وتاريخه في دونية فظيعة، لصالح فذلكات فاشي ابن ديكتاتور، إيماءات رأسٍ تشي بإعجاب وهيام، وبكذب يستر عورات، لن تغطيها أطنان الكذب.

يقول الأسد للمنتشين بحظوة الحضور على بلاطه: “سياسات بعض الحكومات العربية التي عملت ضد مصالح الشعب العربي، عبر خدمة مشاريع خارجية، وتسهيل العدوان على دول عربية أخرى، هو الذي خلق ردة فعل سلبية لدى الكثيرين، تجاه القومية والعروبة”، يصفق له نائب أمين عام لتنظيم “يساري فلسطيني” بحرارة، مع أن أمينه العام الراحل جورج حبش مؤسس حركة القوميين العرب، سجَنه حافظ الأسد، وشكّل له محكمة برئاسة مصطفى طلاس، وقام بتهريبه من سجن كركون الشيخ حسن وديع حداد، وفي بداية تسعينيات القرن الماضي، وتسهيلًا للتعاون الأمني بين الولايات المتحدة ونظام الأسد الأب، قام بوضع “كولبة” ومفرزة أمنية، أمام كل مكاتب هذا التنظيم، ومصادرة كل سياراته، في إشارة لـ (السي آي إيه)، إلى عزمه تجفيف منابع الإرهاب.

سياسة النظام التي عملت ضد مصالح الشعب الفلسطيني وضد مصالح شعبها هي ذاتها التي تُشكّل عماد وجود النظام في الوظيفة، وهي تحليلات “طبقية”، طبع لها التنظيم مئات المطبوعات، لتحليل واقع النظم العربية وبرجوازياتها الحاكمة، أما أن يتحول الفرع الفلسطيني الممانع مستمعًا لفاشي، دمّر مخيمات شعبها، وقتل الآلاف منهم، قصفًا وتحت التعذيب، وشرّد معظمهم، شأن حال معظم السوريين؛ فهذا يكشف فداحة العار الذي يُصرّ الالتحاف به من فقد البوصلة التي يتباكى على ضياعها، لكنه مسرور بأن النظام ما زال يؤمّن له قوت شهره، ويمسح به مؤخرة الشعارات.

عن أي حلفٍ حدثهم الأسد أنه سيواجهه، وأي شعب فلسطيني سيدعم مقاومته؟ هل هم الجالسون قبالته وعلى سجادته؟ نعم، وعن أي رجعية عربية كان النظام، وما زال، يقيم أقوى التحالفات معها، وكان هو مربعها ومثلها، من مصر إلى أبو ظبي إلى المغرب العربي، لا حلف يواجهه الأسد سوى الشعب السوري، ولا مقاومة بادية عليه سوى تلك الممثلة بجرائم الإبادة والدمار، والقتل تحت التعذيب لخيرة شباب سورية وفلسطين، لم يكن صادقًا إلا بالحديث عن جيشه وعصاباته التي نسب إليها “عقائدية”، لكنها قائمة على البسطار الذي يكنه الفرع الفلسطيني لمن داس على رقاب شعبها، ويتحدث عن الغزو الثقافي، ولم يترك بابًا ولا سردابًا يتسلل منه غزاته الداعمين لطائفيته.

ثرثرة الأسد فاضت دمًا ودمارًا على القومية واللغة والعروبة، المهم فيها ما تناوله عن القضية المركزية أمام مستحاثات فلسطينية وقومجية، تحولت إلى خراطيش لغوية تدّعي انتماءها إلى فلسطين، فيما تقدّم الولاء لجزار شعبها، وتوضيح بعض المفاهيم التي قدّمها لهم صبي الممانعة، تعني أمرًا واحدًا أن جورج حبش وغسان كنفاني، مع نتاجهم الفكري وإرثهم النضالي، لا يشكّلان زرًا في قميص ممانعة الأسد، وكذلك الأمر لوديع حداد وأبو علي مصطفى وأبو ماهر اليماني وخليل الوزير، وكل من مر بتاريخ الثورة الفلسطينية، حسب حرارة التصفيق وتوجيه التحية “لرجالات جيش الأسد و(حزب الله)”، لتمسيخ الذات والبصق على التاريخ لتلميع صورة مجرم.

وأخيرًا: إذا كان في نضال وتاريخ شعب كمٌ هائل من القرائن والشواهد، يجري مسخها مع قضيتها، كرمى لسفاح الشعارات؛ فإن الانحطاط والانحدار الذي تمرّ به القضية المركزية سببها الأساس والمركزي، من يُحاضر باسمها، ومن يجلس مكتوفًا، وينصت ذليلًا لمن دمّر العروبة والقومية، وقتل أبناء سورية وفلسطين فوق الأرض وتحتها، فهل في جعبة سفاح الممانعة دعم غير الموت والدمار، وهل في الجعبة غير العار الذي يُعجب به المتساقطون بحبه، وهل لديه ما يفوق نضال شعب، وإنتاج فكري ونضالي يفوق ما تفخر به حركة تحرر وطني بعيدًا عن الشعارات!

مقالات ذات صلة

إغلاق