أدب وفنون

بنات أوى يندبون الثور شتربة

 

قال ابن المقفع:

عندما انتشر خبر موت الثور شتربة بتلك الطريقة الفاجعة؛ أخذت بنات آوى تنوح، الأمر الذي أقلق الأسد ملك الغابة غاية القلق؛ فأرسل يستدعي دمنة الذي غدا أمين أسراره، وسأله:

– فيمَ هذا النواح والعويل الذي يتردد في الغابة، إنه يجلب الغم إلى قلبي. فقال دمنة:

– حفظك الله يا مولاي، وأبعد عنك الغمّ. أنهم ينوحون على الثور شتربة. قال الأسد ملك الغابة:

– اصدقني القول، يا دمنة، كيف مات الثور شتربة، وقد كان مِن أخلص خلصائنا؟ قال دمنة:

– أعزك الله، يا مولاي، عندما يريد ربّك أن يقضي أمرًا فلا مردّ لقضائه. لقد حان يومه، ولا سبيل لتأخير ذلك، ولو يومًا واحدًا. قال ملك الغابة:

– ولكن، لا بدَّ أن تخبرني كيف مات. هل مات حقًا دفاعًا عن ملكنا؛ أم مات بطريقة أخرى؟ فأجاب دمنة:

– أطال الله عمرك، يا مولاي، مات كما مات غيره من السباع والحيوانات الذين كانوا يتطلعون إلى ملكك بعين الغدر، وينتظرون الفرصة للانقضاض على عرشك.

وأخذ دمنة يذكّره بأولئك الذي بطش بهم، حينما كان يرى منهم ريبة، أو يتوجّس منهم خيفة. فقال له ملك الغابة:

– وهؤلاء الذين ينوحون؛ هل ينوحون حزنًا على شتربة أم أنهم أدركوا أن وراء مقتل الثور شتربة حكاية ما؟ أفتراهم يضمرون الشرّ لنا والإيقاع بنا، حينما تتاح لهم الفرصة؟ فقال دمنة:

– معاذ الله، يا مولاي، وليطمئن قلبك، وليهدأ بالك. فهؤلاء عبيدك المخلصون، الذين يرجون رحمتك، ويدأبون على طاعتك، ويدعون لك ليل نهار بدوام عزك، واشتداد بطشك على من عاداك، وعلى كل من تسول له نفسه أن يتطلع إلى سمو منزلتكم، ورفيع مقامكم. لكنهم، يا مولاي، يتذكّرون بطش الثور شتربة بأعدائك، وشدّة بأسه في القضاء على من تحرّك للنيل من عزتك ومجدك؛ فيأخذ منهم الحزن كل مأخذ.

اطمأن الأسد ملك الغابة، وأمر أن يُستدعى كل الذين فُجعوا بموت الثور شتربة. فاجتمعت كل بنات آوى التي كانت تعوي وتنوح لفقد شتربة، في مكان فسيح من الغابة. وأطلّ عليهم النمر ليلقي عليهم خطبته نيابة عن ملك الغابة. فابتدأ خطبته قائلًا:

– يا بنات آوى الأعزاء! لقد أرسلني ملك الغابة إليكم، وهو يقرئكم السلام. فصاح الجميع:

– وعلى مولانا ملك الغابة السلام. فتابع النمر:

– وقد أرسلني لأبلغكم أن الغابة مستهدفة، وأن الأعداء من كل حدب وصوب يتربصون بها، وهي بحاجة إلى تضحياتكم ودمائكم. وعلينا جميعًا أن ندرك أن الغابة لا يحميها إلا أبناؤها النجباء الأوفياء. فإن مات الثور شتربة، وانكفأتم على أعقابكم؛ فسبحان الدائم الباقي الحي الذي لا يموت. ولتعلموا أنه إذا مات شتربة؛ فإن مليكنا حيّ لا يموت. عندئذ؛ صاحت جميع بنات آوى بصوت واحد: مطرح مبيمشي وبيدوس     بدنا نركع، بدنا نبوس.

مقالات ذات صلة

إغلاق