تحقيقات وتقارير سياسية

سورية المفككة.. صفقات بقاء الأسد

 

قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرس: إن هناك بوادر خطر “اندلاع حرب جديدة، في الشرق الأوسط”، ونقلت (سبوتنيك) عنه، اليوم الثلاثاء، أنه يرجح أن تكون المواجهة المسلحة، بين “(حزب الله) اللبناني و(إسرائيل)، ذريعةً لاشتعال الحرب”.

لا شك أن التلويح بحربٍ من هذا النوع، يمكن أن يعيد إلى الذاكرة ما تلا اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق: رفيق الحريري عام 2005، وعدد من الشخصيات اللبنانية المهمة، حيث توجهت أصابع الاتهام إلى تورط نظام الأسد مع ميليشيا (حزب الله) في تلك الجرائم؛ فسارعت (إسرائيل) وقدمت صفقة حرب عام (2006) في لبنان؛ لخلط الأوراق وإعادة تسويق هذه الميليشيا، من خلال اللعب على عاطفة الشعوب العربية التي ارتبطت بالقضية الفلسطينية، لتبدأ مرحلة ابتزاز كبيرة للبنانيين والدول العربية، بمسرحية “المقاومة”.

التهويل الدولي اليوم بحرب جديدة هو محاولة لتبييض صفحة هذه الميليشيا، من قبل حليفتها (إسرائيل)، بعد تورطها في الدم السوري، وإن هذه التصريحات من قبل غوتيرس، مع إغفاله للحرب الطاحنة التي دخلت فيها هذه الميليشيا ضد المدنيين، وعملت على ترحيلهم من بيوتهم ومدنهم في سورية، هي لا تقل خطورة عن تسويق نظام الأسد كمفاوض سياسي، مع تمني رؤساء الدول الكبرى عليه بأن يشارك “بفاعلية” في جنيف.

ذهب رأس النظام في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري إلى روسيا، في زيارة وُصفت بـ “المفاجئة”، ورأى بعض الصحفيين أنها الزيارة الأخيرة والوداعية له، مستندين في ذلك إلى تلك الصور التي تعمدت موسكو إظهارها، عن عدم إعطائه أهمية بروتوكولية، ليبدو مجرد موظف صغير لديها، لكن بالمقابل، يمكن الاستنتاج أن ما جاء من معلومات بعد الزيارة قد يكون الأهم والأجدر بالتدقيق.

صحيفة (الجريدة) الكويتية كشفت، يوم الأحد الماضي، نقلًا عن مصدر غربي، عن عرضٍ قدّمه الأسد إلى بنيامين نتنياهو رئيس حكومة (إسرائيل)، من خلال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يتضمن استعداده لنزع “السلاح من الجولان إلى نحو 40 كم من شريط فك الاشتباك”، وهذا بالنتيجة له علاقة مباشرة، بمواقع لميليشيا (حزب الله) التي تتحرك مع عتادها بسهولة على حدود الجولان المحتل، وضمن المنطقة المنزوعة السلاح أصلًا منذ وقف إطلاق النار عام 1973.

عرضُ الأسد الذي جاء مكملًا لعرض رامي مخلوف في بداية الثورة، عن حماية استقرار وأمن (إسرائيل)، أكدته كافة الأحداث التي جرت مع تجاهل المجتمع الدولي لجرائم نظام الأسد، وأصبح جليًا أن (إسرائيل) هي من يتحكم بالأسد، وأنها تتبادل المنافع والأدوار مع إيران، وأن كافة الميليشيات الطائفية الإيرانية تتحرك لتنفيذ هذا الهدف حتى إنجاز مهماتها، بالتكامل والتعاضد مع (داعش) ومشتقاته، وإن بدت روسيا تتحكم ظاهريًا لتثبيت بعض من مصالحها. لكن يجب التمعن بما جاء أيضًا بالتسريب عن مصدر (إسرائيلي) بأن “التغييرات الديموغرافية التي حصلت في سورية يمكن أن تتكرر في لبنان”، لأهداف استراتيجية “تكون إيران جزءًا منها”.

تفرض الوقائع الأخيرة، ومآلات الحرب على (داعش)، بما فيها اجتماع الترويكا (الروسية الإيرانية التركية) في سوتشي، سؤالًا مفاده: هل ضمان (إسرائيل) في الحصول على حدود آمنة إلى عمق 40 كيلومترًا، يقابله عرض الرعاية الروسية على تركيا بإبقاء منطقة عازلة على حدودها بعمق 35 كيلومترًا، كما أعلنتها سابقًا أنقرة، ويحصل الأردن جنوبًا على منطقةٍ، طلبها سابقًا، لمسافة 30 كيلومترًا، وتكون الحدود السورية العراقية تحت إمرة ميليشيات العراق الموالية لإيران، انطلاقًا من مدينة البوكمال الحدودية، وتبقى موارد النفط آمنةً للدول الكبرى التي استثمرت في الدم السوري، وتصبح حدود سورية مع لبنان بعهدة ميليشيا (حزب الله).

إن تشكيل الحدود بتلك الطريقة يقود بالنتيجة إلى وضوح عرض الأسد أن يُترك حاكمًا على أعناق ما تبقى من سوريين، ويتحكم بحياتهم وأنفاسهم وكل ما يؤلمهم، في دولة لا أنياب لها سوى ما يساعده في تنفيذ حقده على شعبه؛ وبذلك يقدّم المجتمع الدولي مساحة للمعارضة، تبقى فيها متشتتة وهزيلة، بمغانم بخسة في تلك الجيوب الحدودية، كحارس احتياط لمنافع الآخرين، ولكن قد تتضح تلك الصورة أكثر، في الأشهر المقبلة التي تحمل في جعبتها إجابات عن زيارة سوتشي، وخفايا مؤتمراتها السابقة واللاحقة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق