هموم ثقافية

الشخصية في الفضاء الروائي

 

تتقاطع في الفضاء الروائي الكائنات الافتراضية (الشخصيات) والأحداث، ويتفاعلان في زمان ومكان افتراضيين، تحددهما السردية، بحيث يكون المكان أو الأمكنة المتعددة منطلقًا أو حاضنًا، لزمن الأحداث المتواصل أو أزمنته المتنقلة والمتكاملة، وفق ضرورات فنية، يوظفها الروائي حسب الحاجة، بالتفاعل مع كل العناصر الأخرى، ولا سيما العامل البشري (الشخصيات)، باعتباره صانعًا للحدث أو متأثرًا به أو واقعًا في دائرته، ومن أجل خلق حالة تشبه مجريات الواقع الحياتي للناس في ظروف مفترضة ومشابهة؛ يوفر القاص الخصائص الإنسانية والكسوة اللازمة للأشخاص، لكي يؤهلهم للقيام بالدور المنوط بهم سلبًا أو إيجابًا.

في هذا الفضاء الزاخر والمزدحم بالمواقف المتباينة للأشخاص الافتراضيين المتباينين في الطباع وقوة الحضور، ومدى تأثيرهم بمجريات الحدث الرئيسي، وما يتفرع منه ويصب فيه؛ تكتسب الشخصيات مشروعية حضورها وقدرتها على فرز الشخوص، تبعًا لقدراتهم ومواهبهم، وطريقة استثمارهم لظروفهم الخاصة وظروف الحدث نفسه، وتسعى بشكل مباشر أو غير مباشر إلى إقناعنا بالأسباب الموجبة لتصرفاتها ومبرراتها في سياق السرد العام، ومن الطبيعي أن الشخصية الأهم (البطل) ليست هي الشخصية، التي تبدو دائمًا في محور الحدث والقادرة على تحريكه ودفعه إلى الأمام فحسب، بل هي نقطة البدء والختام، والعمود الفقري للحكاية كلها، والتي يؤهلها دورها الرئيس في الوصول إلى النتائج. وبناء على هذه المعايير؛ يمكننا أن نفرق بين الشخصية الرئيسية والشخصيات الثانوية، وفقًا للمدى الذي يفصلها أو يقربها من الحدث الرئيس، وبمقدار مساهمتها وتأثيرها فيه، يحمّلها الكاتب قسطًا من المسؤولية (البطولة)، يزيد أو ينقص ويوزع المسؤوليات والمهمات بتفاوت، وفقًا لهذه التراتبية، علمًا أنّ التميّز في الشخصية قد يختلف، فنجد شخصية، تتصرف بما يتناسب مع صورة البطل الشجاع، وأخرى تمثل الأكثر حكمة والأوسع حيلة، وكلّ في مجاله، قد يحمل شيئًا من البطولة خارج السياق، ويبقى لطبيعة الموقف والهدف، أن يحددا البطولة الرئيسة، تبعًا للمؤهلات والتصرفات التي وفرها لكاتب لها.

صحيح أن تغييرات أساسية، قد طالت صورة البطل التقليدي ووظائفه في الروايات الكلاسيكية، فلم نعد نعثر على أسماء مثل (آنا كرنينا) و(راسلكنوف) و(جان فلجان) وغيرها، ولكن الدور المفتاحي والرئيسي مستمران، ولا يمكن الاستغناءعنهما، فحتى حينما يلجأ الروائي إلى التوزيع السمفوني أو الأوركسترالي لشخصيات روايته، يبقى هناك مايسترو وعازفون موزعون على أدوار متفاوتة ومتناسقة ومتآلفة، وذلك لأن هذا التوزيع للأدوار والمسؤوليات على المؤهلين للقيام بها، هو أقرب إلى روح العصر، في ظلّ غياب أو ضعف بروز الكاريزما، سواء في ظروف قيادة المؤسسات الحكومية وإدارتها لشؤون البلاد والمواطنين، وتوليها مسؤوليات كانت محصورة في القائد الفرد، أو في ظلّ حروب انتقلت فيها الشجاعة من البطولات الفردية للمحارب إلى البندقية الأحدث والأخطر، حتى وقع ما يشبه الخلط بين البطولة والجريمة، وبتنا بحاجة إلى إعادة تعريف البطولة، وفقًا لسلوكها الإنساني، بحيث يغدو الممتنع عن القتل والرافض للحروب والسلاح، هو البطل الفعلي!

إنّ خصوبة وغنى ومرونة الفضاء الروائي هي المناخ الملائم للتفاعل، بين الشخصيات والحدث أو الأحداث، وهو الذي يطرح الأسئلة في إطار التحديات، وينتظر ويترقب ما قد تأتيه تلك الشخصيات من سلوكيات مبادهة أو مفاجئة، سواء بالسلب أو الإيجاب، وبعيدًا عن الجزم، في ظلّ تعدد الخيارات والاحتمالات، وحيث يكمن الخيار بين ضرورة أخلاقية وضرورة فنية، على الكاتب أن ينحاز إلى الضرورة الفنية التي فرضتها ظروفها، لكيلا يتحوّل إلى واعظ، وكي لا تخرج الرواية عن مناخها الحواري الديمقراطي، وعن شروط الحرية التي يجب أن يقيم هذا البناء السردي الفني على أسسها هيكله كاملًا.

قد يقول قائل إن النهاية الفاجعة لـ (آنا كرنينا)، ما هي إلا حكم أخلاقي، ينطلق من انتصار الكاتب لمؤسسة الزواج وللأمومة، ومن إدانة حب يعصف بالمؤسسة الزوجية، وهو رأي ذو وجاهة، ولكنه ليس الاحتمال الأهم، وذلك لأن الشروط الفنية التي توفرت في الرواية، كشفت عن امرأة ارستقراطية، ذات غرور وهوى جامح ونزوة طيش، في مواجهة زوج هادئ طيب متعقّل، ذي إيقاع بارد وبطيء، يترفع عن إيقاع أي نوع من العقاب بها، ولعل ذلك التسامح، كان عاملًا إضافيًا زاد من حدة أزمتها النفسية، وهي في الأصل ذات منظومة أخلاقية، تتركها متأرجحة بين الخطيئة والتطّهر، وهي المنظومة ذاتها، التي انصبت فيها أخلاقية الزوج، وتساميه عن المحاسبة وأججتها، كعامل إضافي لشعورها بالخيبة من الحب والغدر والخذلان، حتى خرجت إلى شظايا نفسية محطمة، دفعت بها إلى الموت الانتقامي من ذاتها وجسدها، وبالوسيلة نفسها التي نقلتها، وكانت سببًا بتعرفها على الضابط الشاب، وتورطها بالعلاقة معه، ومن منا لم يتأذ لهذا الكائن الجميل، الذي تمزقه عربات قطار، على الرغم من تورطها بعشق آثم.

إنّ الرصد الدقيق، لظروف مؤسسة الزواج في الرواية، يكشف عن فراغ عاطفي، بين الزوجة ربة البيت وزوجها، ويبرز تضادًا بل تصادمًا، بين الظروف الاجتماعية والسيكيولوجية للزوج وبين ظروف الزوجة الشابة التي لم تستطع، ولن تستطيع، الشخصية الرسمية الكبيرة والمحترمة للزوج، أن تعوضها عن أنوثتها المضطرة إلى التكيف مع ظروف عمله وطريقة أدائه؛ فكان الحكم ليس بفشل الحب وحده، بل بفشل هذه المؤسسة الزوجية القائمة على التفاوت بين عمر الزوجين، وعدم التكافؤ الثقافي والوجداني، إضافة إلى الظروف التي قادت خطى الزوجة في هذا الدرب الشائك، حتى في هذا الزواج القائم بين شخصية رسمية مهمة وامرأة، يفور شبابها بالطموح والغواية!

إنه احتمال من الاحتمالات المخالفة للتفسير السائد الذي أرى أنه لا يتعارض مع الرأي الذي ذهب إلى من رأى فيه انتصارًا من الكاتب تولستوي للمؤسسة الزوجية، وسواء كان الموت تحت سكة القطار، يعبر عن رغبة خفية عند الكاتب، أو مجرد ضرورة فنية، فرضت عليه أن يتجاهل الحالة النفسية الصعبة، التي باتت تعانيها بطلته الرئيسة، ولتتصرف بمنتهى الحرية، فإنّ الأسئلة ستظلّ محل حوار، وسيعيد القراء إنتاج (آنا كرنينا)، كل بطريقته وبمستوى وعيه، ولكن أبدًا لا تقلل هذه التباينات والاحتمالات، من أهمية وخلود هذه الحالة الإنسانية، بل ستصبّ دائمًا في إعادة إنتاج الرواية!

مقالات ذات صلة

إغلاق