ترجمات

الغارديان: وجهة نظر “الغارديان” حول سورية: بوتين يختبر الغرب

في الوقت الذي تجري فيه جولة جديدة من المحادثات في جنيف، تسعى روسيا إلى تعزيز مكاسبها العسكرية لصالح دكتاتورية الأسد، من خلال التأكيد على فاعلية الأمم المتحدة

تدخل فلاديمير بوتين العسكري عام 2015 لإنقاذ الأسد، في مسعى مشترك مع إيران، أكسبه الهيمنة المطلقة. تصوير: تاس/ صور باركروفت

أحد دروس التاريخ أنَّ خطط السلام يصنعها زيفًا المنتصرون. بعد عامٍ تقريبًا من سقوط حلب، المعقل المدني الأخير للمعارضة السورية؛ تعود دبلوماسية صنع السلام الآن بشكلٍ متردد. ومن المتوقّع أنْ تجري محادثات برعاية الأمم المتحدة في جنيف، هذا الأسبوع، الأمر الذي يجب أنْ يكون موضع ترحيبٍ، على الرغم من أنَّ آمال تحقيق انفراجٍ ضئيلة.

منذ عام 2012، بدأتْ وانتهت عدّة جولاتٍ من المفاوضات، وكلّها عقيمةٌ في الأساس، إذ كثيرًا ما كان حق النقض الروسي -مع الأسف- يعوق العمل الفعال للأمم المتحدة، بما في ذلك المساءلة عن استخدام الأسلحة الكيميائية.

أعادت جماعات المعارضة السورية تنظيم فريقها التفاوضي، بضغطٍ من حقيقة أنَّها الأضعف. النظامُ السوري الذي قال إنَّه سيقاطع المحادثات -إذا أصرت المعارضة على رحيل بشار الأسد- سيرسل وفدًا، غدًا الأربعاء 29 تشرين الثاني/ نوفمبر. ويقول مبعوث الأمم المتحدة، ستيفان دي ميستورا: إنَّ مهمته هي أنْ يكون متفائًلا بشكلٍ راسخ، ولكنَّ الأمر يتطلب أكثرَ من التفاؤل، لمعالجة الحرب المتعددة الأوجه في سورية، وإنهاء المعاناة، وإصلاح بلدٍ مدمّر، والبدء في السعي إلى تحقيق العدالة لملايينها من الضحايا.

لم ينته القتال بعد؛ ففي الأيام الأخيرة، أسفرت الغارات الجوية ضدَّ منطقة الغوطة الشرقية، التي يسيطر عليها المتمردون بالقرب من دمشق عن مقتل العشرات. إنَّ نظام الأسد عازمٌ على استعادة كلِّ شبرٍ من الأراضي التي خسرها، بعد الانتفاضة الشعبية عام 2011، التي دعت إلى الإصلاح الديمقراطي، بينما ردَّ عليها الدكتاتور باستخدامٍ مفرطٍ للقوة. وفي الشهر الماضي، استولى التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد “تنظيم الدولة الإسلامية” (داعش) على الرقة، “العاصمة” المزعومة “للخلافة”، بعد حملة قصفٍ مكثف. لكنَّ المعارك مستمرةٌ في الصحراء الشرقية من سورية، على مقربةٍ من الحدود العراقية، حيث تتنافس القوى الموالية لإيران، مع القوى الموالية للولايات المتحدة على المعالم الاستراتيجية.

قد تكون نهاية اللعبة في سورية قريبةً، وربما لا.

ما هو واضحٌ أنَّ روسيا تقرّر معظم الأوضاع. إنَّ تدخل فلاديمير بوتين العسكري الذي بدأ عام 2015 لإنقاذ الأسد، في مسعى مشترك مع إيران، أعطاه الهيمنة المطلقة؛ لقد استفاد من سوء تقدير الولايات المتحدة، ومن التردد الأوروبي ليكون دوره أكبر. وبعيدًا عن تهديدات دونالد ترامب ضد إيران، تبقى السياسات الأميركية غامضة، ولا تركّز كثيرًا سوى على مكافحة الإرهاب.

في الأسبوع الماضي، استضاف بوتين محادثاتٍ في سوتشي، مع قادة كلٍّ من إيران، وتركيا. وظهر أمام الكاميرات مع الأسد. وفي وقتٍ سابقٍ من هذا العام نظمتْ روسيا محادثاتٍ مع جماعات المعارضة السورية في العاصمة الكازاخية: آستانا. إنَّها علامةٌ على مشهدٍ عالميّ متغيّر، في كلِّ خطوةٍ منه؛ تُهمّش الأمم المتحدة، والقوى الغربية.

ما الذي قد تغيّر الآن؟

بعد سنواتٍ من عرقلة موسكو أو إعاقتها لأّي مشاركةٍ من الأمم المتحدة، فمن المرجّح أنَّ بوتين يرغب الآن في دعم الأمم المتحدة، من أجل تعزيز مكاسبه. لدى روسيا مصلحةٌ مريبة في السعي نحو مساندة الأمم المتحدة لخططها. فالحرب المستمرة تستنزف الموارد، وإعادة بناء سورية يتطلّبُ مستوى من التمويل لا تستطيع روسيا وحدها تأمينه، والعلاقات بين روسيا، وتركيا وإيران أقلُّ وضوحًا، مما يرغب قادتها في الوصول إليه، ولا تزال القضية الكردية مثيرةً للخلاف إلى حدٍّ بعيد. إزاءَ هذه الخلفية؛ تعتقد الدول الغربية، بما فيها المملكة المتحدة، أنَّه ما يزال لديها بعض النفوذ على النتيجة. إنَّه مسارٌ ضيقٌ وصعب، ولا ينبغي أن ينخدع أحدٌ بأنَّ وعودًا -على سبيل المثال- بـ “انتخابات حرة”، تندرج في إطار خطةٍ يسيطر عليها الروس. لنْ يكونَ هناك أكثر من عملية ترقيع.

لقد حولَّت الحرب المستمرة من ست سنواتٍ سوريةَ إلى أرضٍ قاحلة، حيث تحضر إلى الأذهان كلمات المؤرخ الروماني “تاسيتوس” حول “خلق صحراء وتسميتها سلام”. لا يمكن أنْ تنتهي السلسلة الرهيبة للضربات الجوية، وحصار التجويع، وغرف التعذيب بسرعة، ولكنَّ الحديث عن “نصر”، كما يفعل الأسد، هو تحدٍّ لكلِّ إحساس بالكرامة والأدب. لا يُمكن أنْ يكونَ هناك منتصرٌ في هذه الحرب، بعد وفاة نصف مليون شخص، ونزوح ملايين آخرين.

إنَّ سلامًا مستدامًا لا يمكن أن يأتي إلا عندما يُتاح لجميع السوريين الفرصة لأن يختاروا بحرّيةٍ مَن سيحكمهم، وما هو شكل نظام حكمِ بلادهم. وينبغي أنْ يكون هذا -لا صورُ اجتماعات القمة- هو الإجراء الذي يتم من خلاله الحكم على الدبلوماسية، في نهاية المطاف.

 

اسم المقالة الأصليThe Guardian view on Syria: Putin tests the west
الكاتبالافتتاحية، Editorial
مكان النشر وتاريخهالغارديان، The guardian، 28/11
رابط المقالةhttps://www.theguardian.com/commentisfree/2017/nov/28/the-guardian-view-on-syria-putin-tests-the-west
عدد الكلمات686
ترجمةأحمد عيشة

 

مقالات ذات صلة

إغلاق