مقالات الرأي

أهمية دور السلطة القضائية في مستقبل سورية

أصبح الحديث اليوم عن أهمية دور السلطة القضائية يكتسب أهمية بالغة، بالنسبة إلى الشعب السوري، ولا سيما في ظل المأساة الرهيبة التي تعشيها سورية منذ ما يقرب من سبع سنوات، على اعتبار أن دور القضاء -في عصرنا الراهن- لم يعد يقتصر على المعالجة القانونية الصرفة، كحل النزاعات وإيقاع العقاب بمرتكبي الجرائم أو تقرير البراءة، بل أصبح له دور مجتمعي مهم، يتمثل بحفظ الاستقرار والسلم الاجتماعي والأهلي، وكما أنه يحمي نشوء تنمية مستدامة، وفوق ذلك فإنه يحدّ كثيرًا من التوترات المجتمعية، ويساعد في امتصاصها، والتي يمكن أن تحدث نتيجة غياب الحلول الجدية للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية، ولم يكن عبثًا قول “تشرشل” رئيس حكومة بريطانيا، خلال الحرب العالمية الثانية: إن بريطانيا “ستنهض، طالما أن القضاء يحكم بالعدل”.

ما كان للقضاء، في الدول التي تحترم نفسها، أن يؤدي هذا الدور المهم، لولا أن السلطات الحاكمة في تلك الدول وضعَت نفسها تحت إمرة القانون ونفذت أحكام القضاء، واحترمت حرّية وحقوق الانسان فيها، وآمنت بأن المواطن هو من يشكّل أساس كل التعاقدات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، في الدولة.

إن حال السلطة القضائية في سورية اليوم لا يُرضي أحدًا، بعد أن أصبحت موضع اتهام، بدلًا من أن تكون هي القادرة على اتهام الآخرين؛ وتغيرت نظرة الناس تجاه القضاة عمومًا، فالقاضي الذي كان يدخل، أيام زمان، مكانًا عامًا، ويستقبله الناس بكل احترام، بات اليوم متجاهَلًا، كل ذلك جاء نتيجة تحوّل القضاء إلى مجرد هيكل، لا طعم له ولا لون، بسبب التدخل السافر في شؤونه، والتعدي على اختصاصاته؛ فتحول من مؤسسة عدل وإنصاف، إلى مؤسسة قمعية بيد النظام الحاكم. كما ازداد إحساس الناس بطغيان الظلم، وغياب العدل، وعجز القضاء عن تأمين احترام حريات الناس وحقوقهم، بالرغم من أنه في الأصل هو الضمانة الحقيقية للإنسان في المجتمع، والمؤتمن على حقوق الناس وحرياتهم، وهو المكلّف بالسهر على تطبيق القوانين تطبيقًا سليمًا.

لن تُساعد هذه الحال السيئة التي يعانيها قضاؤنا أبدًا في انتشال سورية من مأساتها الرهيبة، بل ستزيد فيها، ومن هنا؛ تأتي أهمية الدعوة إلى إصلاح مؤسسة القضاء في سورية، باعتبارها مهمة ملحّة وعاجلة، وهي مهمة تشخَص اليوم بقوة أمام جميع السوريات والسوريين، ولن تكون مهمة سهلة أبدًا، لكنها ليست بالمهمة المستحيلة، فكل ما نحتاج إليه اليوم هو توفر النية والإرادة، وتضافر جهود المخلصين في البلاد؛ للبدء بعملية إصلاح شاملة للسلطة القضائية في سورية، وتأمين حيادها واستقلالها -فعليًا وعمليًا- عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، ابتداء من توفير الحماية والرعاية للقضاة، ومنع التدخل في شؤونهم، وتوفير بنية تحتية مناسبة، وتهيئة كوادر بشرية مؤهلة ومدربة، واحترام قرارات القضاء، مسترشدين في ذلك بالمعايير العالمية التي أقرتها الأمم المتحدة بشأن استقلال القضاء، والتأكيد على أهمية دور الرقابة القضائية على أعمال السلطتين: التشريعية والتنفيذية، في حماية الأفراد والجماعات من التعسف والشطط، والحد من تجاوزات السلطة، وتوفير العدالة ضمانًا للحق على قاعدة المساواة. يضاف إليها إلغاء المحاكم الاستثنائية، وفي مقدمها محكمة الميدان العسكرية التي باتت تشكل وصمة عار في تاريخ سورية، وإلغاء كافة النصوص القانونية التي تنتقص أو تحجب حق التقاضي.

القضاء القوي المستقل والحيادي أصبح اليوم يشكل أحد أهم المؤشرات الأساسية لمدى توفر مناخ سليم للنمو الاقتصادي، وحافزًا على تشجيع الاستثمار، لما يعكسه من ضمانة وحماية للممتلكات العامة والخاصة، على حد سواء، وحسن التدبير والوقاية من الانحراف والفساد، وضمان قيام محاسبة عادلة، كما يساعد في امتصاص التوترات المجتمعية، ويخفف من حدتها كثيرًا، وهذا ما نحتاج إليه اليوم في إعادة بناء سورية المدمرة، بعيدًا عن أي استبداد أو تطرف، وفي أن يكون لدينا قضاة قادرون على إجراء محاكمات وطنية عادلة، بعيدًا عن الانتقام والتشفي بحق من أجرموا بحق الشعب السوري.

يجب أن يترافق إصلاح السلطة القضائية بحملة لا تتوقف، حملة وطنية هدفها نشر روح الحرية، واحترام القانون في المجتمع، لدى الحكام والمحكومين على السواء، وجعل هذه الروحِ حيّة على الدوام في قلوب الناس، من خلال وسائل الإعلام المختلفة، والمناهج المدرسية والجامعية، ومن خلال الأسرة ودُور العبادة وأماكن العمل.. إلخ. ولن تكون هناك أي قيمة لنصوص القوانين، مهما كانت بليغة، إذا خمدت روح الحرية واحترام القانون وحقوق الإنسان، في قلوب الناس.

إن الحرّية تعلو بالإنسان وترفع من قيمته، ومن دون الحرية؛ لن نستطيع أن نفتح بابًا أو نرفع ظلمًا أو نصد عدوانًا. ولن تكون هناك أي قيمة لنصوص الدستور والقوانين، مهما بلغت من القوة، إذا لم يقم على تطبيق تلك النصوص نقابة محامين حرة مستقلة، وسلطة قضائية عادلة مستقلة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق