هموم ثقافية

كتابة الشتات النسوية

 

 

لا أكونُ منصفًا، إذا لم أقل إنّ الحال اليوم بانسحابها على الأدبين: النسوي و”الرجولي” تجعلُ الناصّ (ذكرًا وأنثى) مستفيدًا ومستثمرًا الحدث لصالح نصّ عائم، لا يفلتُ من الانتماء إلى العاطفة ودرّ الدموع على حساب “الثقافي”، والاشتغال في جوانية المعرفة، بوصف الكتابة جهدًا معرفيًا.

إن قول: “ذكر وأنثى” بذاته يجعلني في مصاف هؤلاء الذين يمارسون دورًا أبويًا، وبما يترتّب على هذا الدور من استعلاء وصلافة، وربّما حُنو، يظهرُ في الضدّ من القوة نحو الشفقة، بإيلاء الذات المذكرة القوة والرعوية والهيمنة، في حين إبراز الذات الأنثى كـ “ضلع قاصر”، لا تدير شؤونها، وتتماهى شخصيتها في شخصية الرجل الذي في كل أمرٍ لا بدّ من وجود عضلاته المفتولة وشاربه الكثّ وعصاه الغليظة، أداته في التربية ونهر المرأة عن دواخلها “الشريرة”، وتكادُ: “إنّ كيدهنّ لعظيم” وإغواء زوجة العزيز ليوسف، تأتي على السردية الأدبية بمقابل الضعف أمام الغواية، إذ إنّ في سورة يوسف نفسها ما يحيلُ إلى قوة المرأة وحيلتها وذكائها، وإلى ضعف الرجل وقلة حنكته، بموازاتها “وخُلق الإنسانُ ضعيفا”، وهو ما سأراهُ بالذي بينتهُ ما يدحضُ فكرة “فيرجينيا وولف” عن أبويّة المجتمعات، وفرزها للرجل “ذاتًا مهيمنةً، بينما المرأةُ آخر سلبي وهامشي”!

بالعودة إلى “الأظافر الطويلة” كعنوان لأنيس منصور، يحتفي به بالكتابة النسوية وفتوحات الكاتبات، الممزقات لثوب الرجل: “الحرية لها أنياب وأظافر، وإن فلسفة المرأة الجديدة هي المخالب والأنياب، تمزق بها ملابس الرجل وظلمه وخداعه، وهذا هو الجديد”، وليس هذا بجديد الحقيقة، فالمقابلة هنا فيها استلابٌ ما، كلامٌ ينحازُ إلى الدرس النقدي، الذي يدرس كتابةً بتوصيفها ضمن الجندر، وليس ضمن الثقافي، لتبدو الجرأة مقارنةً بكتابة الآخر المختلف فيزيولوجيا، وليس أبستمولوجيًا، وهذا سيجعلُ عباءة الرجل حاضرة، وما المرأة إلّا أحد متخف في طيّها، أنفاسٌ مكبوتهٌ وظهور مستتر، خلف وجهٍ سافرٍ بشاربين وملامح قاسية، وفي حين يخفف بعضهم سطوة المفهوم السائد بعطالته الفكرية وليست الأخلاقية -سذاجةً- تجاه النقد النسائي، بالإشارة إليه كآلية تبصّر المرأة المنتجة للأدب بحيل الكاتب الرجل، وهو ما تجده الناقدة خالدة سعيد خلاف ذلك، باعتبار أن التصنيف جندري يُعزّز النظرة المهمّشة للمرأة الكاتبة، ويُعلي من المركزية المفترضة للرجل الكاتب، ويندرج هذا الدفاع تحت يافطة الدعوات إلى قراءة الأدب كأدب، بإغفال التاء المربوطة ونون النسوة. والنظر إلى الكتابة، كنشاط عقلي، يتطلبُ حفرًا في الوجدان والمعرفة والتجربة الشخصية، وليس نحتًا في الصخور.

أيًا يكن، فالمقدمة التي خضتُ فيها لا تنجرفُ إلى البحث في النسوية ومشاغلها، خوفًا من مقارعة مصطلحٍ لم يستوف شرطهُ الواقعي، وبقي غامضًا وملتبسًا بين مدافع ومعارضٍ، وكل يسوقُ دفاعاته من أمثلة قد تكون مجزوءة أكثر مما هي قارئة للمنجز كلّه أو بعضه الأكثر، البعض الذي قد يبيّنُ بموضوعية زوايا الـ (مع) و(الضد). وإذ كنتُ استهلكتُ عنوانًا “كتابة الشتات النسوية”؛ فقد أردتُ بيان ما يتعالقُ -ولو عرضًا- بين الفحولة بمعناها الآخذ في القوة وارتباطها كلية بالرجل؛ وأنثى تتدرأ بالأقنعة لتجتاز شارع الاجتماعي في مجتمعها، والآن في سوى مجتمعها، تواجهُ بسفورٍ باطنه الاستعراض، وهي بهذا، وإلى حد بعيد، تقلل من حمولة الوفاء للفني من الكتابة، تحت ضراوة الاجتماعي والسياسي والديني، كثالوث موت. تخفف لا ينفك منهُ الذّكر الكاتب، وما مغامرته إلّا استجابة لتلك الفحولة التي تقابلها لهجة منزوعة الدسم، في خطاب المرأة الإبداعي القريب، من البوح والمناجاة وضديتها مع الرجل المستلب، يتحمّل رأيي هذا -بما لا يقبلُ الريبة- المعنى الذي يظهرني كرجل/ ناقد ينكفئُ إلى السرديات النقدية الآخذة ميلًا إلى أنّ النقد النسوي -كفعالية- يخلصُ للمجتمع وسيروراته السياسية أكثر من كونه فعالية ثقافية نقدية، غير أنيّ بما افترضتهُ شرطًا: الوفاء بوجوبه للنص المتفرّد، كما وصف الناقد الأسلوبي (ليو سبتزار)، فإنني بهذا الانجراف إلى سهل الـ (هنا)، وأقصدُ بـ (هنا): الشتات، أردتُ النصّ الذي لم يأت مع الناص/ة من(هناك)، حيثُ العلة أو ثالوث الموت، كما بينتُ آنفًا. الحضور الذي يستحضر على الدوام مفردتي الحرب والثورة، كمفردتين مسوقتين في أرضٍ بكرٍ، يريد ناسها أنْ يعرفوا ما يحدث، ما يجعل الخبري سيدًا، انتقاصًا من الفنية واستسهالًا للوصول في غياب الترجمة المحترفة والمشاريع الحقيقية في إظهار الأدبي، وصورة الكاتب/ة كندٍ ثقافي، لهُ الحق انطلاقًا من الفاعلية النقدية التي تتحاور مع ثقافتين. صار الوقت مناسبًا لتقرأ في هذه المساحة الندية، بعد الجفاف الذي مارستهُ السلطات المختلفة في عدائها مع النص وذوات الكاتب.

مرة أخرى، لماذا هذا التبئير الذي خصّ المفهوم بعموميته، ولم يصعد من العنوان نفسه، من البداية، بدلًا من مقدمةٍ أخذت الكثير، ستكونُ على حساب المتن بالمؤكد، سأعلّلُ بإشاحتي النظر عن المصطلح الذي أشبع تنظيرًا، ولم يفكّ اللبس بمقدار ما غمّضه، ولو أخذنا بالواقعي، وتحديدًا في بلدان ترى نفسها من ناحية الحقوق ومنها حقوق المرأة، متخلصةً من شعور الاستلاب، وهي تسعى إلى تكريس حقوق أكثر جدلًا، ما يعني أنْ المرأة تحصلّت حقوقها كاملةً، وأي حديث في هذا الشأن هو انتهاك للقانون واستلاب من نوع آخر يُعيدُ امتهانها؛ أمكننا أنْ نراقب حال النسوية في هذا الشتات، هل هي تتماشى مع ثقافة المضيف، هل تتناسى ذاتها المجروحة في بلدها، هل تتخلصُ من الثيمات الجاهزة في الكتابة، هل تنحاز إلى المظلومية بدلًا من انحيازها إلى نصّها الذي يقتضي الوفاء، كما بيّن سبتزار، أحقّا هي لا تنظر إلى الرجل ليعطيها مقعده في حافلة، كما هي لا تريد نصًّا إلّا نصها، بالندية مع نفسها وليس مع الرجل؟!

أكادُ أنْ أقول -بعد ما سقتهُ من أسئلة- أنْ لا شيء يحدثُ في خلاف كبيرٍ بين ثقافتين، فالصورة النمطية للمرأة الكاتبة هي نفسها الصورة النمطية عن المرأة المرأة في ذهن المتلقي الجديد. تتعامل هذه الذهنية مع الوافدة الجديدة، بوصفها خارجة من كهف، وتعزز هذه الذهنية استرخاء كاتبات لهذه النظرة؛ فاستدرار الدموع ربّما يكون أسهل من خلق الدهشة، والحديث عن امرأة مضطهدة أسهل وصولًا من نصّ يتطلبُ الوفاء والدراية والاشتغال، وكذلك مترجمًا حاذقًا، لا يطلب نصًّا سهلًا وإنّما نصّا مخاتلًا، مفارقًا للتوقعات، نصًّا يذهب الآخر إليه، لا نصًا يستدرجُ قارئًا بما هو من خارجه!

مقالات ذات صلة

إغلاق