تحقيقات وتقارير سياسية

“الخرافة” تتوج سياسات أميركا تجاه القدس

 

لفهم كل ما جرى، ويجري، في بلاد العم سام هذه الأيام؛ علينا أن نتذكر مقولة المفكر السوري الأميركي منير العكش: إن “أميركا بلد حداثي قائم على العلم، ولكن حين يتعلق الأمر بـ (إسرائيل)، فإنها تتحول دفعة واحدة إلى مؤسسة من الخرافة”. ذلك أن توقيع ترامب على القرار -وفقًا للصحافة الأميركية- يمثل محاولة منه لإثبات التزامه بوعوده الانتخابية، لـ “المسيحية الإنجيلية”، و”المسيحية الصهيونية” عمومًا، والتي تمثّل القاعدة الانتخابية الأهم لترامب ونائبه مايك بينس، المقرب من هذا التيار الكبير العدد، حيث تمثّل “المسيحية الإنجيلية” ثلث عدد من يحق لهم التصويت من الجمهوريين، وخُمس الناخبين الأميركيين عمومًا.

استنادًا إلى ما سبق، يحرص الرؤساء والمرشحون الجمهوريون على إرضاء جمهور هذا التيار. وفي الانتخابات الأخيرة، حصد الرئيس غالبية أصواتهم. وتذهب التحليلات الصحفية في واشنطن، إلى أن الرئيس ترامب يدرك أن إرضاء هذا التيار في القاعدة الانتخابية يتطلب تبني استراتيجية ترتكز على شيطنة الآخر، سواء أكان مسلمًا، عربيًا، أسود أو مهاجرًا من أميركا اللاتينية، أو حتى ديمقراطيًا، بمعزل عن انتمائه الإثني. فمخاطبة الانحيازات الدينية والعرقية عند هذا التيار تبدو شرطًا أساسيًا، ليأخذ خطاب ترامب مفعوله إلى أقصاه.

“صدمة” ترامب، هدية بلا مقابل..

ينص “قانون القدس الأميركي” الذي أقره الكونغرس عام 1995، على أنه يجب على الولايات المتحدة نقل سفارتها، من مدينة تل أبيب إلى مدينة القدس، في شهر أيّار/ مايو 1999، واعتبارها عاصمة موحدة لـ “إسرائيل”. غير أن الإدارات الأميركية المتعاقبة على امتداد أكثر من عقدين مضت، بدءًا بالرئيس بيل كلينتون مرورًا ببوش الابن وباراك أوباما، اعتبرت هذا القانون تعدّيًا في صلاحيات الكونغرس على السلطات التنفيذية لها. ومنذ ذلك التاريخ، عمد سائر الرؤساء إلى توقيع تمديد، كل ستة أشهر، يسمح ببقاء السفارة مكانها. مبرّرهم في ذلك أن القرار قد يؤجج حالة العداء للولايات المتحدة، ويهدد أمنها القومي ويدمر السعي لإنجاز حل الدولتين.

كما أن موقف الولايات المتحدة من وضع القدس يعدّ حساسًا، على صعيد السياسة الخارجية الأميركية. ولعل أبرز توصيف لهذه الحالة ما قاله توماس فريدمان، الكاتب والمحلل السياسي الأميركي اليميني: حين يتعلق الأمر بالعرب، فإن الموقف هو “جوهرة تاج السياسة الأميركية”، لذا، فقد مثّل إعلان ترامب نقل السفارة إلى القدس، واعتبارها عاصمة موحدة لـ (إسرائيل)، “صدمة”، ليس فقط للعالمين العربي والإسلامي، بل حتى للأميركيين أنفسهم.

يرى فريدمان، في مقالة له، أنه كان على ترامب أخذ تنازلات كبرى من بنيامين نتنياهو، قبل منحه (هديته) تلك دونما مقابل. كان بوسعه، أن يطلب من (إسرائيل)، وقف البناء في المستوطنات “غير الشرعية”، أو أن يشرع بتأسيس سفارة في القدس الشرقية للدولة الفلسطينية.

فلسطينيًا، حذر محللون في الشأن الفلسطيني من خطورة نقل السفارة الإسرائيلية، من تل أبيب إلى القدس المحتلة، والاعتراف بالمدينة كعاصمة رسمية لـ “إسرائيل”، واستخدام التلويح لابتزاز مواقف من السلطة الفلسطينية، معتبرين أن التلويح والقرار يأتي في سياق الدعم المتواصل من قبل الولايات المتحدة الأميركية منذ تأسيسها.

يرى المفكر الفلسطيني الأميركي البروفيسور رشيد الخالدي، في مبحثه حول ثوابت ومتغيرات السياسة الأميركية تجاه القدس منذ نكبة 48 حتى الآن، أن الوضع القانوني للقدس كان موضع نزاع منذ أكثر من ستين عامًا، أي منذ اتخاذ الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار التقسيم الشهير، في تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1947، وكان موقف الولايات المتحدة حول هذه المسألة في غاية الأهمية. منذ ذلك الحين، حيث تم اتخاذ مواقف أصبحت ثابتة أو شبه ثابتة للإدارات الأميركية المتعاقبة، بينما تغيرت الكثير من المواقف الأخرى لها. “كان ولا يزال أساس سياسة الولايات المتحدة تجاه القدس قرار التقسيم هذا، أي قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 للتاسع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1947، الذي دعا لإبقاء مدينة القدس وجوارها جسمًا منفصلًا تحت رعاية دولية، وذلك طبعًا ضمن تقسيم فلسطين إلى دولتين: دولة عربية تضم أقل من 45 بالمئة من أراضي فلسطين، ودولة يهودية تضم 55 بالمئة تقريبًا من أراضي فلسطين. ومنذ ذلك الوقت، لم تعترف الولايات المتحدة يومًا، بسيادة (إسرائيل) القانونية على أي جزء من القدس، تاركةً الأمر حتى يتم إقرار وضع المدينة القانوني، خلال المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولم يتغير هذا الموقف منذ عام 1947، وهذا موقف الولايات المتحدة وموقف معظم دول العالم”. ولكن وبالرغم من كل تلك الحقائق والوقائع التاريخية، ينبه الخالدي إلى حقيقة أنَّ الولايات المتحدة اعترفت وتعترف، بسيطرة (إسرائيل) الواقعية على القدس الغربية، كما اعترفت على سيطرة الأردن الواقعية على القدس الشرقية من عام 1948 – 1967، ولم تعترف ولم تقبل الولايات المتحدة، بضم (إسرائيل) للجزء الشرقي العربي للقدس، عام 1968، وصوتت عدة مرات في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لصالح قرارات تدين هذا الإجراء، وتدين إجراءات إسرائيلية أخرى في القدس الشرقية. وتعد الولايات المتحدة القدسَ الشرقية أراضيَ تحت الاحتلال، احتلال غير شرعي طبعًا، وتعتبر الاستيطان الإسرائيلي في القدس الشرقية خرقًا فادحًا لاتفاقيات جنيف، وبخاصة لمعاهدة جنيف الرابعة، التي تمنع أي قوة تحتل أراضيَ للغير من استيطان مواطنيها في هذه الأراضي.

هل يكون الحل فلسطينيًا-عربيًا؟

من الجانب الإسرائيلي، رأى يوسي بيلين أنه بعد أن سلمت أمم العالم بحدود الخط الأخضر في قرار 242 لمجلس الأمن، في تشرين الثاني 1967 كان ينبغي لها منذ زمن بعيد أن تعترف بالقدس الغربية التي احتلها الجيش الإسرائيلي في عام 1958 –”كعاصمة إسرائيل”- عمليًا. لافتًا إلى أنه يُحتمل أن تكون خطوة ترامب أكثر ذكاء. ففي مرحلة مبكرة من رئاسته عرض حل النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، كتحدٍّ مركزي بالنسبة لإدارته، وأعلن أن في نيته أن يحقق في الشرق الأوسط “الصفقة المطلقة”.

بدوره، يصف المحلل السياسي في صحيفة (معاريف) العبرية: ألوف بن دافيد، إعلان ترامب بـ “الخطوة الدراماتيكية”، التي ستعطي الأصداء. محللًا ذلك بقوله إنه “قبل سنة بالضبط، انتقم منا الرئيس باراك أوباما في خطوة أحادية الجانب في مجلس الأمن، سجلت في كتب التاريخ. لم يحتجّ أحد حينذاك على أن الولايات المتحدة تتخذ خطوة تغير الوضع الراهن. فجاء ترامب هذا الأسبوع، وعدّل الميزان واتخذ هو أيضًا خطوة أحادية الجانب ستكتب في سجل التاريخ. إذ لن يتجرأ أي رئيس أميركي على إلغاء الاعتراف بالقدس كعاصمتنا، وإذا انتقلت السفارة إلى هناك؛ فهذا سيكون إلى الأبد. وستكون أيضًا سفارات أخرى تسير في أعقاب الأميركيين”.

ويؤكد بن دافيد أنه لا يمكن تجاهل البعد الشخصي الذي في هذه الخطوة: فقد منح ترامب رئيس الوزراء الإسرائيلي ما يمكن أن يعتبر الإنجاز الأهم لنتنياهو في كل ولاياته الأربعة. وهذه “الكتف الحميمة” أعطاها له ترامب في ساعته الصعبة. فالرئيس الأميركي يعرف على نحو ممتاز ما هو الشعور حين يكون المرء يخضع للتحقيق.

لكن السؤال الذي يطرح -فلسطينيًا وعربيًا- الآن: “ما الحل”. الإجابة تكمن في ضرورة استصدار قرار من مجلس الأمن، يبطِل مفعول قرار ترامب هذا، وقد أشارت بعض المصادر إلى أن الدول العربية ستعمل على “استصدار قرار من مجلس الأمن، يؤكد أن إعلان الولايات المتحدة الأميركية الاعتراف بالقدس عاصمة لـ (إسرائيل)، يتناقض مع قرارات الشرعية الدولية”، وبالتالي لا أثرَ قانونيًا له، ويعدّ عمليًا باطلًا. وبحسب خبراء في مجال القانون الدولي، فإن “قرار ترامب يتناقض فعلًا مع كل قرارات مجلس الأمن والجمعية العمومية وباقي مؤسسات الأمم المتحدة، الصادرة منذ قرار تقسيم فلسطين ستة 1947 وحتى اليوم؛ وخصوصًا ما يتعلق منها بوضع القدس”. والمعروف في أروقة الأمم المتحدة أنه وفقًا لأنظمة مجلس الأمن لا يحق لدولة عضو في المجلس أن تشارك في التصويت على مشاريع قراراته، إذا كان موضوعها شكوى مقدمة ضدها. أي أنه إذا كانت الشكوى مقدمة ضد أميركا؛ فإنها لن تستطيع المشاركة في التصويت، ولا استعمال “حق الفيتو”. ومما بدا من مواقف الدول الأعضاء في المجلس، خلال المداولات التي جرت مؤخرًا حول قرار ترامب، التي عارضته كلها، يبدو أنه من الممكن أن يمر قرارا كهذا.

واستصدار مثل هذا القرار، بحسب الخبراء، يحتاج إلى تحرك دبلوماسي فلسطيني وعربي واسع في مجلس الأمن، يكون مدعومًا بالأساس من كافة الدول الإسلامية، ودول آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية والدول الأوروبية الصديقة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق