أدب وفنون

“هاينريش بُل” ومئة عام على الولادة

كل ما يُكتب اليوم ما هو إلا تمرين بائس على قولٍ عظيمٍ

الحرب، وأي حربٍ مفزعة، كائن شرير يخلق الوهم، ويفزز الذاكرة الجمعية، فيما بعد، بصور الخراب، والحرب أممية الأوجاع، فالآه الطويلة التي تخلفها لا تحتاج إلى ترجمة، ولا تُميز بلون أو شكل، تمامًا هي موسيقا الوجع والخسران، وإن كانت الموسيقا لا تستلزم ترجمة، وإنما أذنًا صاغية وحسًا مرهفًا، فالوجعُ كذلك لا يحتاج إلى مترجم، أو مفككًا لعلامات الصوت، ولعل هاينريش بُل، بكتابته في ما يسمى بأدب ما بعد الحرب، أو “أدب الأنقاض“، يُعززُ ضديته لهذا الشرير والاستبداد، لتجيء رواياته حاملة لهاجسه وتخوفاته من عودة النازية وشرورها، تلك الشرور المرتبطة -شغفًا- بالحروب وإقلاق العالم، أو تلك الشرور التي خلقت رضوضًا نفسيةً وكدماتٍ وندوبًا على الروح.

لم يكُ -بالنسبة إلي على الأقل- اسم (هاينريش بُل) حاضرًا بقوة، في تتبعي للصور الإنسانية والروائية ليساريي العالم، بحكم اليسار الذي انتميتُ إليه، وينتمي إليه صاحب رواية (صورة جماعية مع سيدة)، الرواية التي عرفتني على “ليني” أرملة المقاتل الخمسينية، راصدةً -أعني الرواية- من خلالها مجتمعًا بأكمله، تعتاش مفردة الحرب في سلوكه ومخيلته وتشوفاته المشوهة، ومجيء العنوان “… سيدة”، بإغفال ألـ التعريف، سيعني -بحال ما- ذلك الانسحاب الشديد على كل مفاصل الحياة في ذهن شاغليها، رواية تبصر بالإنساني، وتبينُ الراوي الحائز على (نوبل)، أحدًا لا يعقد لغتهُ ولا صياغاتهُ، كما لو أنه يرى الكتابة خطًا دفاعيًا بمواجهة الحرب!.

الحربُ هنا، في لغة الراوي، هي لغتهُ كإنسان، علاقته معها ليست علاقة أحد يستمع ليروي، إنما علاقة أحدٍ رأى وسمع وتعايش، ثم أحضر الروائي الذي في داخله ليروي، هذا الإنساني، أقصدُ الجانب المتألم، اليد التي تمسها النار، لا اليد البعيدة عنها، لا العين التي تنظرُ إلى تلك اليد، كما لو أنها عضو أحدٍ آخر، سوى الروائي وحساسيتهُ المفرطة، تجاه حدثٍ هو جزء منه وفاعل فيه، بوصفه مقاتلًا، ومن ثم مدافعًا عن ضحايا هذا الوحش الفاتك، وناطقًا باسمهم جماليًا، عين رأت من زاويتين: الراوي الفني، والإنسان الذي يكتشف الحقيقة ليقولها، إنه جزء من الوفاء وتكفير عن شرور تلك الأصابع التي تضغط على الزناد، وترى العمل في قتل العدو مقدسًا، في حين يرى العدو أيضًا فعله مقدسًا. وقوف الراوي في هذه النقطة (الشر) هو عبور منها وعنها، تجاه نقدها، بوصفها هاوية قاتلة لهوية الإنسان ككائنٍ معرفي، يتألم من الحرب، يندبُ ضحاياه، ويتعطلُ عن الحياة والبناء طيلة هذا الانسعار!

حظيت بمنحةٍ قرّبتني من مكان هذه العلامة/ السيمياء، في حيز الألمان الثقافي والذاكراتي، “بيت هاينريش بُل” يعني أنني أتعالق مع الطبيعة المحيطة به، ومن ثم تأسيس شراكة وجدانية مع موجوداته، وتعرف مواقفه من خلال سراد معنيين به، وآخرين معي يتعرفونهُ عن كثب، وآخرين سبقوني. هذه الفاعلية جعلتني أتحسسُ وجودي الجديد في بلدٍ ليس بلدي، وبمواجهة تركةٍ أدبية هائلة تتمثلُ في اسمٍ كبير، مجرد ذكره يعني أن تتحمل مسؤولية كبيرة تجاه نفسك أولًا، ومن ثم تجاه التوصيف العابر للحرب، بوصفها حدثًا مُعطلًا للحياة، وكذلك حدثًا يُتبعُ بالأسئلة الكثيرة منها الوجودية، وما بعد الوجودية أو الثقافية. أسئلة لا تريد أجوبة بمقدار ما تريدُ وسطًا مكلومًا، متذمرًا، موهومًا، وربما حالمًا، ليعرف هولها من داخلها.

في هذا البيت، على الرغم من الهدوء العميم، تتلمسُ الحربَ التي كتبها صاحبه، وعليك كخارج من محنة الحرب في بلدك، أن توائم بين الأصوات العالية للانفجارات والانهدامات العمرانية والنفسية، وبين سكينةٍ جاءت بعد دمار، حقًا هي حال متضادة لذاتها، لا يمكنُ الكتابة عنها بعجالةٍ، ويمكنُ فيما بعد، لو هدأت الحرب، ووضعت أوزارها، أن يكتب المرء عما يراهُ تجربة غنية، عن ذلك التضاد بين لونين متنافرين، بدءًا من الموت هناك، وانتهاء بالصدمة الحضارية والهدوء، وما كان “الأنقاض” هنا.

كتبتُ “اسمه أحمد وظله النار”، وأراني فيه أكتبُ الحرب، لربما على نحو ما هي الحربُ التي كتبها هاينريش بُل، ولربما على نحو آخر “لا”، إذ يتملكني شعور عارم أن كتابةً سورية قادمة، ستأخذها الكارثة من يدها إلى ما هو أوسعُ وأكثر انفتاحًا على الشتات والموت والآمال والخسران، لنصل إلى خلاصة مفادها: كل ما يكتب اليوم ما هو إلا تمرين بائس على قولٍ عظيمٍ، ينضجُ في المحرقة داخلًا وخارجًا!

الحروب جميعها تشبهُ الحروب التي ننميها في دواخلنا، وتشبهُ أشخاصًا كتبوها. هاينريش بُل، عندما يلمسُ روح الحرب الشريرة؛ يضعُ يده على جرحنا، ونحنُ -الكتّاب- نحتاج إلى ذلك الفانوس الذي عبّر به الروائي، ليصل إلينا، نحملُ من الطوباوية ما يجعلنا نستشعرُ قيمتنا الزائفة، في أننا أحد قادر على تغيير العالم أو إحداث صدمة له. كنتُ أحدثُ قاسم حداد، كأحد تزاملنا في المكان، وتصادقنا، وكأحدٍ قرأتهُ مُغيرًا ومحدثًا للصدمة ومُعلمًا شعريًا، استمعتُ إلى وصاياه التي بدا أنه يوجهها لنفسه، قبل توجيهها لسراق بهجة من عملٍ يقومون به، كان مر في المكان -أيضًا- سركون بولص، الذي ترنح يومًا أمام شجرة التفاحة، ولم يجدها إلا هي المترنحة، وما هو إلا مخلص سيسند خيبتها، وفرج بيرقدار الذي يرى الشعر واحدًا من هوميروس إلى يومنا هذا، معلقًا جروحه المتقيحة وندوب السجن الطويل ونظرة السجانين، وعين الوحوش، بما تريدهُ القصيدة من قبح لتخلق المقابلة مع الجمال، كل هؤلاء وأنا في آخر القافلة أبناءُ حروبٍ، وأماكن حتى في سلمها تحاربُ!

الحربُ التي كتبها هاينريش بُل هي حربنا المستعرة اليوم، وما النازية التي ندد بها الروائي إلا هذا العالم الذي يصمُ آذانهُ عن صيحات ورجاء الذاهبين إلى الموت وحدهم.

 

*جاءت هذه الكتابة عقب أسئلةٍ وجهها لي الصحفي خالد العبود، بمناسبة مرور مئة عام على ولادة هاينريش بُل.

مقالات ذات صلة

إغلاق