مقالات الرأي

عفرين والمصير المرير

 

قالت لي كاتبة كندية إنها لا تفهم الرابط الذي أقمتُه في صورة الخراب والدمار، بين كل من مدينتي الرقة وهيروشيما. كان استيعابها محدودًا لحجم الكارثة التي أنزلتها قوات التحالف في المدينة، خلال حربها ووكلائها، ضد تنظيم (داعش) الإرهابي. ولم تكن تعرف أن عدد الضحايا المدنيين يفوق قتلى عناصر تنظيم الدولة خلال ثلاث سنوات، وقد تسببت به الهجمات الجوية، والمدفعية الأرضية، في غالب الأحيان، نتيجة لمعلومات غير صحيحة، وفي أحايين بسبب احتمال وجود مقاتلين دواعش متحصنين، داخل الأحياء السكنية، قد لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد، من خلال معلومات مضللة كانت تقدمها قوات (قسد) التابعة للعمال الكردستاني.

الصورة الذهنية التي تشتغل عليها مؤسسات صنع القرار، وتوجيه الرأي العام والإعلام، في الغرب عمومًا، وفي الولايات المتحدة، هي صورة منزوعة من الجانب الإنساني الذي يفترض أن في كل عملية عسكرية، أو حروب، ثمة ضحايا مدنيين يجب تجنيبهم الضرر. هذا التوجه، أو بمعنى أدق، هذه الصورة تخدم الترويج لفكرة صوابية السياسات، وسلامة ونجاعة الأداء الذي تقوم به في مواجهة الإرهاب العالمي، في (مناطق نشأته)، بما يحول دون تمدده وانتشاره عبر العالم. فكل ما تم استهدافه هو مجموعات مقاتلة، وجميع الأهداف التي حُققت هي مواقع يستخدمها التنظيم الإرهابي، ضمن عملية منظمة لإخفاء الحقائق عن الجمهور، إضافة إلى قلبها وتزويرها.

المدنيون، في كل حال، هم الضحايا الأكثر تجاهلًا والأكثر تضررًا من السياسات التي ترسمها الدول، حمايةً وتحقيقًا لمصالحها بالدرجة الأولى. المصالح التي تتصل بالآخرين، قد تأتي في ذيل قائمة الأهداف. الأمر في هذا السياق لا يرتبط بسياسات كل من الولايات المتحدة وروسيا، لكنه أيضًا، فيما يخصّ المسألة السورية، يتصل بالدول الإقليمية التي تضع مصالحها الاستراتيجية وأمنها القومي في المقدمة، وتركيا وإيران مثال حيّ.

تدور في المنطقة حرب كبرى، بكل اتجاهاتها وجبهاتها وأهدافها، هي عار على العالم. لم تنتصر معاركها لقضية الحرية، ووضعت قضية الإرهاب مقدمة لكل عمل أمني وسياسي وعسكري، متجاهلة جذور الإرهاب وأسبابه، ومصادر نشأته ووسائل دعمه، أعني تمامًا نظام الأسد، وحكام طهران، والقوى الحليفة لهما ودوائر الاستخبارات التي غضّت الطرف عن نمو التنظيمات الإرهابية، التي تغولت في المنطقة.

لا تختلف العقلية الأمنية، المبنية على قدرة القوة، لدى البنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية، عن الدوائر المماثلة في أنحاء العالم، حيث تتقاطع المصالح، وتتعارض الأهداف بين الخصوم والأحلاف، على حدّ سواء. هذا ما يحدث في سورية اليوم، وعلى الرغم من كل المؤتمرات والاتفاقات التي أنجزت بين الأطراف الراعية والمتورطة والضامنة في سورية؛ فإن أي خطوات جدية باتجاه الذهاب نحو تسوية سياسية عبر التفاوض، لم تتحقق، بما في ذلك اتفاق مناطق خفض التوتر.

كل تلك العمليات السياسية-الأمنية، هي مجرد غطاء لتمرير عمليات عسكرية أحادية، تقوم بها تلك القوى، بما يقود إلى منجز جديد يقوّي موقفها ودورها على الأرض. روسيا وإيران والنظام الأسدي يواصلون دكّ المدن والقرى وتهجير عشرات الآلاف، وقتل مئات المدنيين، وواشنطن تحصّن مواضع سيطرتها في الجزيرة شمال سورية، بقوات جديدة. وتركيا الضامن في اتفاقات أستانا، تعجز عن فرض التزام روسيا والنظام في مناطق حمايتها، وتستعد لعملية عسكرية في عفرين.

يقطن في عفرين قرابة نصف مليون سوري هم 300 ألف كردي، و200 ألف عربي نازح. وأيًّا تكن الأسباب التي تتخذ منها تركيا سببًا للقيام بعمل عسكري، فإن الحقيقة الأساسية هي أن كارثة إنسانية كبيرة سوف تحل في هذه المنطقة. وسوف ينجم عنها عواقب وخيمة، وستكون مفاعليها على مستقبل العلاقة بين الكرد والعرب، قاسية جدًا، تُكرّس قطيعة مضافة إلى ما حدث بالنسبة إلى عين العرب والرقة.

لا شك أن ما قام به (حزب العمال الكردستاني)، من انتهاكات جسيمة بحق جميع السوريين في المنطقة، أعني شمال وشمال شرق سورية، هو أمر مدان وغير مقبول، ويجب على هذا الحزب أن ينسحب من عفرين وإعزاز وتل رفعت، وجميع المناطق التي يسيطر عليها، كقوة احتلال، وأن يقوم بتسليم تلك المناطق إلى إدارات محلية، يعود بموجبها المهجّرون من البلدات والقرى العربية إلى مناطقهم.

ذلك هو السبيل الأمثل لوقف الحرب التي لا نريدها، ولا نقبل بها، سواء أكانت عبر وحدات الجيش الحر التي تشرف عليها تركيا، أو عبر الجيش التركي مباشرة. أي معركة من هذا القبيل هي تدخل خارجي مرفوض، وليس ثمة أسباب مقبولة، فكل تدخل من هذا النوع لا يصب في مصلحة السوريين والثورة السورية، ولا يساعد في دفع القضية السورية نحو الحل.

الحرب على (حزب العمال الكردستاني)، ليست حرب السوريين، مع كل الضرر الذي يُلحقه الكردستاني بالسوريين، وفي مقدمهم أكراد سورية. وما سوف نجنيه من تلك الحرب هو مزيد من الضحايا المدنيين والدمار، وسوف تتكرر مأساة الرقة، لذا على فصائل الجيش الحر، في موقف صعب، حيال دخول مناطق ذات غالبية كردية، وفقًا للخطط أنقرة. بالطبع نحن لا نغفل الدور التركي الإيجابي في دعم القضية السورية، وفي احتضان السوريين اللاجئين إليها، بغض النظر عن ملاحظاتنا في هذا الإطار.

معركة عفرين ليست أيضًا في صالح تركيا، السياسات التركية المرحلية بمحاربة تنظيم (حزب العمال الكردستاني) المصنف إرهابيًا، قد لا تحقق أهدافه في حال تنفيذ هجوم على عفرين. الحرب ليست نزهة، والقوى الدولية المنخرطة بمحاربة الإرهاب لن تقف إلى جانب تركيا، وهناك تجارب ودروس يجب الاستفادة منها. نحن مع طرد العمال الكردستاني من عفرين، ومن كل المناطق السورية، وضد إقامة الكانتونات التي تقسم وتعزل المناطق السورية، وضد كل ما تقوم به ميليشيا صالح مسلم، في الرقة وشرق الفرات، بدعم من واشنطن.

نحن مع الوسائل السياسية التي تحقق تلك الأهداف، بعيدًا عن الاجتياح العسكري، وبعيدًا عن استهداف المدنيين، وتوليد مآسٍ جديدة في سورية، وأكراد عفرين ليسوا بالضرورة جميعًا إرهابيين، كما كانت تُروّج (قسد) عن مدنيي الرقة!

مقالات ذات صلة

إغلاق