هموم ثقافية

زهرة الحمم

 

إذا كان الحظّ الذهبي في الشؤون الكبرى لا يتأتى للمرء سوى مرَّة واحدة في حياته؛ فإن الأشدّ ندرة واستثناءً أنْ توفّر الحياة للشخص نفسه فرصة ذهبية ثانية، على قدْر المرّة الأولى ذاته.

سواء أكان هذا عملًا تجاريًّا ضخمًا رابحًا، أو منحةً لجولة حول العالم، أو نيلًا لجائزة عالميّة كبرى، أو عمرًا مديدًا خاليًا من الأمراض المزمنة أو الفتَّاكة، أو كان -على سبيل التخيّل- زواجًا هانئًا، سعيدًا، يزداد الحبُّ فيه ويقوى على مرور الأيام والسنوات.

أعلم أن هذه الأخيرة ستثير الابتسامة الساخرة؛ لكون العلاقات الزوجية، في العموم، صارت مضرب المثل على كرة الخلافات والمشاحنات التي تكبر وتتضخّم مع مرور السنوات، حتى تنتهي إلى التساكن والتجاور البارد، أو بالانفصال والطلاق!

لكنني، إذ أُوردها ضمن الفرص الذهبية العديدة المتنوعة التي تحظُّ المرءَ في حياته لمرة واحدة، لا أعمّمها بل أُدخلها ضمن الاستثناء النادر، وربما النادر جدًا، لكنها ليست خارج هذا الاستثناء ولا غريبة عنه، رغم ندرة حصولها بين الأزواج والزوجات.

ولأن العلاقة الزوجية السعيدة الهانئة التي تزداد انسجامًا وتفاهمًا وحبًا مع مرور السنين هي من المستحيلات الكبرى والوقائع الغريبة، كالأطباق الطائرة؛ أردت التوقّف معها قليلًا، إذ حدَث لعاشقين أن تزوجا وعاشا تفاهمًا وولعًا “غريبًا”، أثار ريبةَ معارفهما وأقربائهما والعديد من أصدقائهما، إلى درجة دفعت الجميع إلى الشكِّ بصدق ما تبدو عليه علاقتهما، واتّفاق آرائهم على أن ثمّة تصنّعًا من قِبلهما، و”تمثيلًا” على الآخرين، سعيًا منهما لمخالفة الشائع، والتميّز عن عموم الأزواج.

حقيقةُ الأمر أنهما كانا أكثر من عاشقين، وأقرب إلى بعضهما البعض من حبيبَين، وأبعد في التفاهم والتناغم، مما قد يُقرأ في القصص والروايات أو يُشاهد في الأفلام الرومانسية.. لكنَّ ذلك بدا عصيًا -بالطبع- على التفهّم والتصديق، بسبب ندرته (وانتفائه؟)، قياسًا إلى التشوّهات الغالبة على العلاقات الزوجية في مجتمعاتنا!

في يومٍ، شاءت الأقدار، التي منحتهما الحبَّ على امتداد ربع قرن تقريبًا، أن تُغيّب الزوجة، فترحل بين ليلة وضحاها!

لا حاجة للتوقّف مع فجيعة الحدث، وتهدّم الزوج وانهراس روحه كزهرة بريّة، فليس هذا موضوع الوقفة هنا، وإنما القصد مشيئة الأقدار في أن تعاود منح فرصة ذهبية للزوج، والتي لا توهب للمرء سوى مرة واحدة في العادة، فتقدمها على طبق ذهبي من الدفق العاطفي نفسه، والتفاهم العميق عينه، والعشق الحارّ ذاته، الذي كان مع الزوجة الراحلة.

بالتأكيد، سيبدو الكلام هنا كفيلم هندي، غير أن الحياة تفاجئنا على الدوام بما يتجاوز خيالاتنا، ويتفوق على أحلامنا، سواء على هذا الصعيد أو في ذلك المجال. وإذ أكتب هذا، أشعر أنا -أيضًا- بغرابة ما حدث، وبشدة ندرته، وباستثنائية وقوعه… غير أنه حدث فعلًا. حدث كما يحدث أن تنبت أعشاب وزهور من تحت ركام حممٍ بركانية، فتذهلنا وتخلُّ بموازين توقعاتنا، وتتركنا بين مصدّقين ومكذّبين: هل يعقل أن تتيح تلك الحمم البركانية الملتهبة لسوق الأزهار ووريقات الأعشاب أن تشقَّ، إلى الحياة، طريقًا لها؟!

أتراني خالفت بما سبق نغمةً أو عُرفًا صار بمثابة قانون لا يردّ ولا يصدّ، وهو وسم العلاقات الزوجية بالبؤس على الدوام؟! ربما. بيد أن العشبة الخضراء اليانعة الحيّة التي أعاينها بحواسي كلها لم تترك لي هامشًا للتكتّم عليها، أو مجالًا لتجاهلها، فأجدني أعترف بأن الحياة، رغم كلّ ما عرفناه عنها وجرَّبناه فيها، ما زالت تمنح ما لا طاقة لنا على تصديقه.

مقالات ذات صلة

إغلاق