هموم ثقافية

جهاز “الخفية”… من دمشق إلى شيكاغو

 

اطلعت مؤخرًا على كتاب جديد للروائي والباحث الأركيولوجي تيسير خلف، يحمل عنوانًا مثيرًا: (من دمشق إلى شيكاغو…) عن رحلة أبي خليل القباني إلى أميركا 1893. يحتوي الكتاب على معلومات جديدة ووثائق وصور نادرة، حصل عليها المؤلف من أرشيف بلدان عدة (عثمانية وأميركية وعربية)، ومن مكتبات ومخطوطات مختلفة، عمل على ترجمتها وتحقيقها وتدقيقها والتعليق عليها، طارحًا/ ومجيبًا على أسئلة، كان الجواب عليها ملتبسًا ومشوشًا، ما جعل هذا الكتاب -حسب ظني- واحدًا من المراجع المهمة التي كُتبت عن حياة أحمد القباني، رائد ومؤسس المسرح الغنائي العربي، إن لم نقل التركي أيضًا.

ليست دقة الوثائق والمعلومات الجديدة ما يثير الاهتمام فقط، ولا محاولات المؤلف الحثيثة التي نجحت في إقناعنا بصحتها؛ بل التركيز على تفاصيل حياتية وفنية، لم يكن أحد لينتبه إليها سابقًا، ولم نكن نعرف عنها إلا القليل؛ بدءًا من الدعوة الموجهة من قبل الرئاسة الأميركية، إلى تفاصيل الرحلة التي انطلقت من بيروت، وتعقُّبِ مسارها، وطبيعة فرقة (مرسح العادات الشرقية)، والباخرة (إس إس ويّرا) التي أقلتها من مدينة جنوة الإيطالية حتى وصولها إلى نيويورك، ووصف المعرض الكولومبي العالمي و”المسرح التركي” الذي تم بناؤه في “ميدواي بليزانس” في شيكاغو، إلى الحديث عن شباك التذاكر وبطاقات الدخول، ودور المرأة وأعضاء الفرقة وجنسياتهم وأعمارهم.. مرورًا بالتوصيف المسهب لتقنيات وعناصر العرض المسرحي (أزياء، ديكور، نص، إدارة، إنتاج، إضاءة، أداء مسرحي، رقص)، وصولًا إلى الأفكار الكبيرة التي يطرحها الكِتاب، حول الحرية وعلاقة الثقافة بالسلطة، ودور المسرح ووظيفته، وأحلام النهضة العربية، والعلاقات الثقافية والفنية بين أميركا ومنطقتنا العربية، في نهاية القرن التاسع عشر.

ما يثير الإعجاب أكثر، غوص الباحث في روح هذه الوثائق والصور والملابسات، وقدرته على استنطاقها وتحليلها وجعلها تنبض وتتحول أمامنا إلى ما يشبه الفيلم الوثائقي المفعم بالحياة والدراما الإنسانية؛ ما مكننا من الدخول إلى عمق الأحداث والأشخاص، وبخاصة شخصية القباني، وما كان يختلج في صدره، من هموم وإحباطات ودسائس كان يتعرض لها، من قبل السلطتين المستبدتين: السياسية والدينية، وما كان يملكه من طموحات وأحلام يصبو إليها ويعمل من أجلها، بتصميم المؤمن بدور المسرح ووظيفته، ليتبين لنا أن القباني ليس محض “يافطة” أو اسم نتغنى به، أو أيقونة تعلق على جدار في صدر (مسرح القباني)، بل هو عمر -امتد أكثر من ستين عامًا- يمور بالتفاصيل والمكابدة والكفاح، وشخصية فريدة متعددة القدرات والموهب، كانت أول من ألّف “الروايات” المسرحية العربية، وشكّل الفرق المسرحية و”الجوق” الموسيقي، فلحّن وغنى ورقص، ومارس التمثيل “التشخيص” والإخراج “إدارة الممثلين“. وقد تمكن من تقديم أعمال مسرحية غنائية “متكاملة”، علمًا أن جل هذه الفنون –وبخاصة الإخراج- لم تكن معروفة في عصره، ولم يدرسها القباني في مدرسة أو معهد! حتى إن المسرح العثماني كان وليدًا -حينئذ- وكان الفرنسيون والإيطاليون هم من يقدم العروض المسرحية في قصور إسطنبول وغيرها من المدن، وباللغة الفرنسية لا التركية! إلى أن جاء أحمد توفيق باشا الذي قام بتحويل المسرحيات الأجنبية إلى صيغة تركية، وقام بإنشاء أول مسرح في مدينة بورصة، عام 1879، فاعتُبر أول كاتب مسرحي في التاريخ التركي.

 

كان القباني عربي الهوى، وقد فعل المستحيل ﻹقناع الولاة على سورية بإقامة مسرح في دمشق، قبل أحمد توفيق باشا، ونجح في ذلك أكثر من مرة مع (صبحي باشا 1872، ثم مدحت باشا 1878، وغيرهما)، لكن مشكلته الحقيقة لم تكن مع السلطة السياسية، بل الدينية أيضًا! فقد تمكن مشايخ دمشق المتعصبون النافذون، من استصدار فرمان “همايوني” بإغلاق مسرحه –أخيرًا- ومنعه من ممارسة مهنة “التشخيص”، بحجة أنه يثير الفتنة ويفسد أخلاق اﻷمة، فغادر إلى حلب ثم بيروت التي رفضته بدورها، لأن المنع لم يكن يشمل دمشق وحدها، بل ولاية سورية كلها، فشد الرحال إلى مصر عام 1884.

لكن، سرعان ما تم نقض الفرمان الـ “همايوني”، وطُلب من القباني تشكيل فريق مسرحي استعراضي، للمشاركة في معرض شيكاغو الدولي في العام 1893، والذي كان مخصصًا لـ (تجسيد الثقافات الشعبية بمختلف مراحل تطورها، من التجمعات البدائية في أدغال أفريقيا، إلى المجتمعات القروية الأوروبية. وكان السلطان عبد الحميد حريصًا على إظهار السلطنة في المحافل الدولية، بوصفها قوة عظمى).

لقد أثبت الباحث، بالوثائق الدامغة والصور الأصلية، مشاركة القباني في معرض شيكاغو، بعد جدل استمر عقودًا؛ فقد (وصل أبو خليل إلى نيويورك على رأس فريق فني دمشقي- بيروتي، بلغ عدد أعضائه أكثر من 50 ممثلًا وممثلة، وموسيقيًا وموسيقية، في السادس عشر من شهر نيسان/ إبريل عام 1893، من بينهم المطربة وعازفة القانون ملكة سرور، والممثلة والفنانة الشاملة طيرة الحكيم، وموسى اليان “أبو الهيء”، والشيخ عثمان بن صالح الشهير بالدرويش، وممثلون وممثلات استعراض من دمشق وبيروت وجبل لبنان وبيت لحم).

وعلى الرغم من أن المعرض كان مختصًا بالفولكلور الشعبي، فإن القباني قدّم (ثمانية عروض قصيرة، طفحت بالغناء والرقص الفلكلوري، على حساب المضمون الدرامي، وهي: الدراما الكردية، والدراما القلمونية، وعنترة بن شداد، والمروءة والوفاء، وهارون الرشيد، وعرس دمشقي، والعروس التركية، والابن الضال. بحسب الدليل المصور الصادر باللغة الانكليزية، والموجه إلى جمهور المشاهدين الأميركيين.. و”مرسح العادات الشرقية”، وفق الصياغة العربية. فلقيت العروض استقبالًا حارًا من الصحافة الأميركية، وكتبت عنها مقالات نقدية مطولة، كشفت الكثير من تفاصيل التكنيك المسرحي “القباني”).

الأكثر أهمية في الكتاب كان التأكيد على الدور الذي لعبه مكتب جهاز “الخفية”، الذي كان يتعقب الفرقة! والـ “تقرير” الذي قدمه بحقها أحد المخبرين؛ ما اضطر القباني إلى مغادرة المعرض! يقول تيسير خلف: (وغادر القباني أميركا بعد أكثر من شهرين، بسبب الضغوط التي كانت تحاصر الفرقة من جانب رجال “الخفية” المخابرات السرية؛ إذ وصلت تقارير أمنية تتهم الفرقة لحظة إقلاعها من ميناء بيروت، بعزمها على “الإساءة إلى العرب والمسلمين”.. وهو ما استدعى تحقيقات ومخاطبات بين شيكاغو و”المابين الهمايوني”، في الأستانة، استمرت نحو شهرين؛ ففضل القباني الانسحاب مبكرًا والعودة إلى البلاد).

لقد طرح الكتاب السؤال القديم الحديث، عن الحرية، وعلاقة السلطتين الدينية والسياسية بالفن، وتأثيرهما الحاسم في حضوره ووظيفته. وقد ذكر المؤلف أن القباني قال لجريدة (كوكب أميركا)، وهو يركب السفينة مغادرًا نيويورك، في السادس والعشرين من شهر حزيران/ يونيو 1893: (إنه سيقوم بسياحة في لندن وباريس قبل العودة إلى الوطن. ولا نعرف كم من الوقت أمضى في لندن وباريس؟ ولا كيف عاد إلى دمشق؟.. هل تعرَّض للمساءلة من جانب السلطات في إسطنبول أو بيروت، أم أنه أُوقف فترة من الزمن؟.. أسئلة لا يملك أحد الإجابة عليها في الوقت الراهن، ولكن، من المحتم أن هذه التجربة القاسية أبعدت أحلام العودة إلى دمشق أو بيروت إلى الأبد، وجعلت خياراته محصورة في مصر).

أسئلة وحقائق جمة، وتداعيات ومواضيع مستجدة أثارها تيسير خلف، لا يسمح المجال للحديث عنها كلها؛ وأجوبة على أسئلة عدة، كانت الردود عليها ضبابية وأصبحت واضحة؛ ما جعل هذا الكتاب يشكل إضافة حقيقية إلى تاريخ المسرح السوري ورائده أبي خليل القباني.

 

[av_gallery ids=’110455,110456,110457,110458,110459,110460,110461,110462,110463,110464,110465,110466′ style=’thumbnails’ preview_size=’portfolio’ crop_big_preview_thumbnail=’avia-gallery-big-crop-thumb’ thumb_size=’portfolio’ columns=’5′ imagelink=’lightbox’ lazyload=’avia_lazyload’ custom_class=”]

مقالات ذات صلة

إغلاق