قضايا المجتمع

السودان الممزق من الحرب يوفر ملاذًا آمنًا للاجئين السوريين ونموذجًا لاندماج المهاجرين

 

تصخب شوارع العاصمة السودانية الخرطوم، بأعمال جديدة، ولكن ليس من تلك المصادر المتوقعة؛ فقد ازداد ازدحام السوريين في شوارعها، حيث تملأ المطاعم والمخابز ومحال الحلويات النقصانَ الذي خلفته الحروب التي أصابت كلا البلدين. افتُتح في عام 2014 محلّ، هو الآن الأشهر والألذ: (شاورما أنس) الذي يعمل فيها حاليًا نحو 40 لاجئًا سوريًا، الأمر الذي يعكس حقيقة غريبة. تستضيف السودان أكثر من 100 ألف لاجئ سوري، وفقًا لمفوضية اللاجئين السودانية، في حين تشير تقارير أخرى إلى وجود نحو 250 ألف لاجئ. وعلى الرغم من فقر السودان، مقارنةً بالدول العربية الأخرى، فإنّها وفّرت ملاذًا آمنًا للاجئين السوريين. لماذا السودان؟

السودان هي الدولة الوحيدة التي تسمح للسوريين بدخول البلاد من دون تأشيرة، كما تمنح الحق في الالتحاق بالتعليم والعمل، من دون الحاجة إلى الحصول على تصاريح خاصة. على نقيض الحالة في لبنان، حيث يضطر العديد من السوريين إلى دفع (200 دولار) على سبيل رسم تسجيل سنوي، في حال لم يكونوا مسجلين في قيود المفوضية العليا لشؤون اللاجئين (UNHCR). وكذلك الأمر في تركيا، حيث يُعد الحصول على تصريح إذن عمل رسمي أمرًا صعبًا للغاية، مع الأخذ في الحسبان أنّه يعمل في تركيا ما يقارب 14 ألف سوري من أصل 3 ملايين لاجئ في البلاد. ووفقًا لمقابلة أجرتها شبكة إعلامية مشهورة مع أحد السوريين في الخرطوم، صرّح الأخير بأنّ السوريين يشعرون بالترحيب في السودان، ولم يلاقوا أي مشكلة في الاندماج مع المجتمع المضيف.

على الرغم من انفتاح السودان اقتصاديًا في مجالات الاستثمار، يبقى توفّر فرص العمل أمرًا صعبًا، إذ يشكل معدّل العمالة في البلاد نحو 20 بالمئة. إلّا أنّ السوريين أثبتوا جدارتهم في ريادة الأعمال؛ حيث استثمروا في مجالات التجارة والعقارات والحِرف، ولعبوا دورًا ملفتًا في مجال المطاعم والقطاع السياحي.

كما يعدّ السودان محطة عبور للكثيرين، ينتظر فيها السوريون، خلال توجههم إلى مصر أو أوروبا وحتى ليبيا. حاولت السلطات السودانية الحد من تدفق السوريين إلى بلدان الجوار من خلال تقديم الجنسية سريعًا، لأي سوري يقيم فيها لأكثر من 6 أشهر. وتشير التقارير الحكومية إلى أنّ أكثر من 1000 سوري حصلوا على الجنسية بالطريقة ذاتها، الأمر الذي يمنح السوريين حرية أكبر في أثناء تنقلهم في بلدان العالم.

تلقى السودان الثناء من المجتمع الدولي، لاستضافتها السوريين الهاربين من الصراع. باختصار، كانت هذه الاستضافة انعكاسًا للعلاقات العامة الطيبة التي تبرع فيها السودان. وقد استطاعت السودان تحسين صورتها في الخارج، من خلال المعاملة الكريمة مع السوريين، أملًا في رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، بسبب أزمة دارفور. غير أنّ العديد من السودانيين اعتبروا أن هذه الحماية الانتقائية للاجئين الأجانب تأتي على حساب السودانيين في دارفور، الأمر الذي صعّد حدة التوتر تجاه السوريين، من قبل البعض.

وعلى الرغم من أجواء الترحيب والضيافة، فلا يمكن تجاهل موجة الاستياء وكراهية الأجانب الآخذة في التصاعد، ضمن المجتمع السوداني. ويستمر الجدل عبر المنصات الإعلامية السودانية حول أحقية تقديم خدمات الرعاية الصحية المجانية والتعليم للسوريين، في حين أنّها ليست مجانية للمواطنين السودانيين. كما يشكو آخرون من التكلفة الاقتصادية العالية الناتجة عن استضافة هؤلاء، والطريقة غير الديمقراطية في اتخاذ مثل هذه القرارات، المتعلقة بالهجرة، بتزامن وجود حالات إنسانية طارئة أخرى في البلاد، تعاملت معها الخرطوم باستجابة أقل من الذي أبدته تجاه السوريين. كما أنّ منح السوريين حق التجنيس والمواطنة أثار زوبعة اعتراضاتٍ، في حين لا يحصل عليها اللاجئ الإفريقي.

مع العلم أن السودان يستضيف أكثر من مليوني لاجئ من دول أفريقية أخرى، لا يحصلون على امتيازات الحماية ذاتها التي يحصل عليها السوري، في وقت يتزايد فيه التمرد والاحتجاجات ضدّ حكومة البشير.

وعلى الرغم من المشكلات المرتقبة في المستقبل القريب في السودان، فإنّ السلطات السودانية قدّمت نموذجًا ناجحًا لاستقبال للاجئين السوريين، وأتاحت لهم الفرصة في المساهمة الاقتصادية والتنموية في البلاد. وعلى عكس الشائع من التأثير السلبي على المجتمعات المضيفة للاجئين، فإنّ التجربة السودانية تُنبئ بازدهار تنموي واقتصادي قريب. وتشير إحصائيات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين (UNHCR)، إلى أنّ أغلبية المهاجرين، في عام 2015، 2016 و2017، استطاعوا إيجاد مأوى في الدول المنخفضة ومتوسطة الدخل. وتبيّن التجربة السودانية كيف يمكن للموقف المرحب تجاه اللاجئين -وإن كان مثيرًا للجدل- أن ينعكس إيجابًا لمصلحة البلد المضيف، إن استُثمرت بشكل جيد، حتى في بلدان لها تاريخ طويل من القمع والاستبداد.

(*) الصورة: فتيات سوريات يدرسن في مدرسة بالسودان – المونيتور 9 آب/ أغسطس 2017.

 

العنوان الأصليWar-torn Sudan Provides a Safe Haven for Syria’s Displaced and a Model for Refugee Integration.
الكاتبألكساندر آستون- وارد
المصدربرنامج الباحثين الدوليين الزائرين في مركز حرمون للدراسات المعاصرة
المترجموحدة الترجمة والتعريب

 

مقالات ذات صلة

إغلاق