ترجمات

صحيفة نوفايا غازيتا: الغوطة يمكن أن تتحول إلى حلب ثانية الغرب محرومٌ من إمكانية التأثير على مصير ضواحي دمشق

الصورة: وكالة رويترز/ قصف الغوطة الشرقية يهدد بكارثةٍ إنسانية واسعة.

 

في سورية، هناك خطر حقيقي من أن تتكرر كارثة إنسانية، على غرار تلك التي حدثت في حلب عام 2016. فالضغطُ الذي تمارسه القوات الحكومية على الغوطة الشرقية -وهي إحدى ضواحي العاصمة دمشق التي تدخل رسميًا ضمن مناطق خفض التصعيد- أثارَ موجة جديدة من التهديدات، صدرت من المجتمع الدولي باتجاه النظام السوري وحلفائه. وبشكلٍ أوتوماتيكي، أصبحت روسيا في مرمى النقد. ولكن دول الغرب لا تمتلك الأدوات اللازمة للتأثير في الوضع، تقول أوساط الخبراء.

“تشعر الولايات المتحدة الأميركية بالقلق العميق من ارتفاع حدة العنف في الغوطة الشرقية، فالضربات الجوية يبدو أنها كانت موجهة إلى المنشآت الطبية”، قالت رئيس المركز الصحفي في وزارة الخارجية الأميركية هازر ناوريت. “ففي الغوطة، بقي القليل من البنية التحتية المدنية؛ وهذا يؤدي إلى قتل مئات المدنيين خلال 48 ساعة”. وصرحت السيدة ناوريت بأن الرعب الذي عاشته حلب الشرقية يتكرر الآن في الغوطة الشرقية. وأعلنت ممثلة وزارة الخارجية: “ندعو كافة الأطراف إلى وقف العنف دون أي شروط، وعلى روسيا التوقف عن دعم نظام الأسد وحلفائه؛ فهم يتحملون المسؤولية عن الهجوم، وعن الوضع الإنساني الصعب في الغوطة الشرقية، وعن الخسائر الفادحة بين المدنيين”.

لا تعدّ روسيا نفسها مسؤولةً عن تصعيد الوضع في الغوطة الشرقية؛ فقد صرح الناطق الإعلامي باسم الرئيس الروسي دمتري بيسكوف، معلقًا على تصريحات ناوريت بأن “هذه الاتهامات لا أساس لها من الصحة، ومن غير المفهوم إلى ماذا استندت هذه الإدعاءات. ولم تقدم أي معطياتٍ محددة، وعلى هذا النحو، نقوّم هذه الادعاءات. ونحن لا نتفق معها”. وعن علاقة روسيا بقصف الأحياء المدنية في الغوطة، أحال بيسكوف الموضوع إلى وزارة الدفاع، عندما أعلن: “بالطبع، فيما يتعلق بالوضع على الأرض والتغييرات التكتيكية، عليكم سؤال وزارة الدفاع”.

من جانب آخر، أعلن نائب وزير الخارجية الروسية سيرغي ريابكوف أن ممثلي روسيا الاتحادية في الأمم المتحدة يشاركون في صياغة مشروع قرارٍ مخصصٍ للوضع الإنساني في الغوطة الشرقية. وقال الدبلوماسي: “إن نيويورك تشهد حاليًا العمل على مشروع قرار مناسب. وقد تحولت المسائل، ومن ضمنها المساعدات الإنسانية وإمكانية الوصول إلى المناطق، على نحو صارخ، إلى ازدواجية المعايير التي تمارسها الولايات المتحدة الأميركية ومناصروها، في جميع مقارباتها المتعلقة بالملف السوري. وتقوم واشنطن -يوميًا- بمقارباتٍ انتقائية وتعزل، على نحو مستهجنٍ، المسائل التي تعتبرها مفيدةً لها من وجهة نظرها لممارسة الضغط على دمشق، عن بقية الحالات المماثلة والمشابهة لها، والتي لا تريح الولايات المتحدة الأميركية”. وأعرب ريابكوف عن الثقة بأن فتح ممراتٍ إنسانية يرتبط بقرار مجلس الأمن: أسينص على ذلك أم لا. ويرى ريابكوف أن الأمر قابلٌ للحل.

وفقًا للأمم المتحدة، ما يزال قرابة 400 ألف مدني في ضواحي دمشق. وقال الأمين العام للمنظمة الدولية أنطونيو غوتيريس: “نتيجة الحصار الذي تفرضه الحكومة السورية على المنطقة، يضطر الناس هناك إلى العيش في ظروفٍ قاسية، ومن ذلك عدم الحصول على ما يكفي من الطعام”. وذكرت التقارير الأممية أيضًا أن نحو 100 شخصٍ قد لقوا حتفهم، في منطقة الغوطة الشرقية يوم الإثنين وحده، من بينهم 13 طفلًا على الأقل، كما تعرضت خمس مستشفياتٍ للهجمات الجوية، وطالب أكثر من 700 شخص بالخروج العاجل لأسبابٍ صحية”. وذكّر الأمين العام للأمم المتحدة روسيا الاتحادية وتركيا وإيران بالتزاماتهم، والأخذ بعين الاعتبار أن الغوطة الشرقية هي إحدى مناطق خفض التصعيد، التي توافقت عليها هذه البلدان الضامنة للتهدئة في سورية.

عادةً ما يلجأ شركاء الرئيس بشار الأسد إلى تبرير المواجهة في الغوطة الشرقية، بوجود مقاتلين من “هيئة تحرير الشام” (التي دخلها عناصر متشددين من جبهة النصرة سابقًا). غير أن الخبراء الروس يذكرون أن: عدد المتشددين في الغوطة ليس بالكبير. ويقول الخبير في المجلس الروسي للشؤون الدولية لصحيفة (نيزافيسيمايا غازيتا) أنطون مارداسوف: “بالفعل يوجد هناك مقاتلون من (هيئة تحرير الشام)، ولكن أعدادهم قليلة جدًا، ولا يدخلون في تحالفٍ مع أي جهةٍ أُخرى. ويتعقد الوضع لعدم وجود منفذٍ لهم إلى الجبهات”. ويلاحظ المحلل أن بنيةً معينةً قد تشكلت في الغوطة، تسيطر عليها المعارضة المعتدلة. ولا يبدي السكان المحليون تعاطفًا مع نظام دمشق وشركائه، برأي الخبير. ويشير مارداسوف إلى أن هذا الجيب يضم أعدادًا من السكان أكبر مما كان في حلب الشرقية.

يقول مارداسوف: “منذ عهد الأسد الأب، جرى التخطيط عمدًا لفصل الغوطة الشرقية عن الغوطة الغربية؛ للحيلولة دون التحام المنطقتين السنيتين. في الوقت الحاضر، يقول الخبير: يوجد جيبٌ سني معارضٌ لدمشق الرسمية، يعيش فيه ما بين 250- 400 ألف شخصٍ، وحيث يرابط نحو 25 ألف مقاتل من المعارضة. ويعتبر الخبير أن هذا الأمر يفسد الصورة التي تحاول بروباغندا النظام تسويقها. ومنذ لحظة توقيع اتفاق إنشاء (مناطق خفض التصعيد)، يتذرع النظام بحججٍ مختلفة، لشن هجماتٍ مستمرة ضد مختلف مجموعات المعارضة”.

يشير الخبير إلى إطلاق مبادراتٍ تفاوضية، بشأن مصير الغوطة الشرقية، ولكن أيًّا منها لم يوضع قيد التنفيذ. حتى إن الشرطة العسكرية تمركزت في المنطقة، ولكن ذلك لم يمنع القوات الحكومية من قصف المنطقة.

مصير الغوطة بالتحديد سيكون في مركز مباحثات وزير الخارجية الفرنسي جان إيف مع القيادة الروسية في القريب العاجل. وأشار الوزير الفرنسي، في كلمته أمام الجمعية الوطنية، إلى أن “عملية التسوية السياسية في سورية قد تعطلت”.  وأضاف الوزير: “ما زالت الحرب ضد (تنظيم الدولة الإسلامية) وبقايا (تنظيم القاعدة) تحتل رأس قائمة أولوياتنا في سورية، ولكننا في الوقت نفسه، نشهد استمرار الحرب الأهلية في البلاد، وخاصةً في إدلب والغوطة الشرقية اللتين تتعرضان لقصفٍ من قبل قوات الحكومة. من جانبٍ آخر، توسعت الحرب على الصعيد الإقليمي، كما ظهر من خلال التدخل العسكري التركي في عفرين، وكذلك في تحليق الطائرات الإيرانية فوق (إسرائيل)”. وأوضح الوزير الفرنسي أن بحث الوضع الإنساني سيكون أحد ملفات البحث، في أثناء زيارته إلى طهران.

أما أوساط الخبراء البريطانيين فتعتبر أن الدول الغربية لن تستطيع وقف ضغط القوات الحكومية على الغوطة الشرقية. وحول الموضوع، يقول الباحث في المعهد الملكي الموحد للدراسات العسكرية مايكل ستيفنس: “لا أعتقد أن سيتم اتخاذ إجراءاتٍ ما. في نهاية الأمر، من الممكن أن يتم الدعوة لانعقاد جلسةٍ لمجلس الأمن في الأمم المتحدة، ولكن ما الغاية؟ سيظهر مأزقٌ جديد آخر. وبهذا الخصوص، لا أعتقد بإمكانية اتخاذ إجراءٍ ما. الأسد يريد السيطرة على هذا الجيب، وأظن أن ذلك سيحدث.

وأخيرًا، تركز سياسة الولايات المتحدة الأميركية على الإمساك بالأرض شمال نهر الفرات؛ لاستخدامه ورقةً في مواجهة الأسد في مراحل متأخرة من النزاع. أما احتمال اللجوء إلى القوة العسكرية فهو احتمالٌ ضئيل.

كلمات دالة: سورية، الغوطة الشرقية، كارثة إنسانية، الأسد، مضاد للإرهاب

 

اسم المقالة الأصليةВосточная Гута может стать вторым Алеппо
كاتب المقالة إيغور سوبوتين
مكان وتاريخ النشرصحيفة نوفايا غازيتا. 21 شباط 2018
رابط المقالةhttp://www.ng.ru/world/2018-02-21/1_7178_siria.html

 

ترجمةسمير رمان

 

مقالات ذات صلة

إغلاق