تحقيقات وتقارير سياسية

أدلة دامغة على انتهاج سياسة القتل والتعذيب في سجون النظام السوري

 

ينفي نظام الأسد شهادات مئات المعتقلين السابقين، ممن كانوا محتجزين مدة طويلة، في السجون، ومراكز التحقيق التي تديرها أجهزته الأمنية، بشأن ممارسات التعذيب والقتل الممنهج بحق المعتقلين المعارضين، ويمعن النظام في إنكار هذه الوقائع، بالرغم من عشرات التقارير التي نشرتها المنظمات الدولية (منظمة أمنستي، هيومن رايتس ووتش، أطباء من أجل حقوق الإنسان، لجنة التحقيق المستقلة بشأن بسورية، وغيرهم)، ومنظمات حقوق إنسان سورية، وهي تؤكد حدوث مثل هذه الممارسات، بناءً على مقابلات أجرتها مع شهود، كانوا محتجزين لدى النظام وأطلق سراحهم. وأخيرًا تعززت هذه الشهادات بقوة، على أثر انشقاق أحد أفراد الشرطة العسكرية في بداية 2014 والذي أوكلت إليه، خلال الثلاثة أعوام التي سبقت انشقاقه، مهمة تصوير وتوثيق جثامين المعتقلين الذين قُتلوا في سجون النظام تحت التعذيب، أو جراء ظروف الاعتقال السيئة أو إساءة المعاملة أو الإهمال الطبي أو الجوع، وقد غادر المنشق السوري الذي أطلق عليه اسم “قيصر” البلادَ، وبحوزته عشرات آلاف الصور التي تعود لجثامين معتقلين ماتوا في مراكز الاعتقال السورية، حيث أبلغ فريق الخبراء والمحامين الدوليين والناشطين السوريين الذين قابلوه أنه قام بتصوير هذه الجثامين، وأرشف آلاف الصور في سياق عمله، كمصور الطب الشرعي الرسمي للشرطة العسكرية التابعة للنظام.

أدلى “قيصر” بشهادته أمام العديد من المحامين والمحققين، وأمام الكونغرس الأميركي، وأكد أن الصور التقطت داخل المستشفيات العسكرية السورية. وجاء في شهادته أمام الكونغرس: “ما ترونه هنا مرآب مستشفى عسكري. اعتدنا أن نستغل المشرحة، لكنهم كانوا يحضرون مزيدًا من الجثث، لذا قررنا استعمال المرآب بشكل دائم”. وطبقًا لفريق الخبراء الدوليين الذي أعد التقرير الأول عن هذه المجموعة من الصور، غادر “قيصر” سورية، بعد أن انشق عن النظام، وبحوزته ما يزيد عن 50 ألف صورة مدمجة بأقراص ممغنطة وأقراص تخزين صغيرة. وقد سلّم “قيصر” الصور إلى “الحركة الوطنية السورية” التي سلمت أرشيف الصور إلى “الجمعية السورية للمفقودين ومعتقلي الرأي”. كما أرسل الأرشيف الذي يحتوي على أكثر من 53.000 صورة للعديد من المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، ومن ضمنها منظمتا (أمنستي، وهيومن رايتس ووتش).

استعانت المنظمات الدولية بخبراء في مجالات الطب الشرعي والقانون، لقراءة وتحليل الصور التي التقطها “قيصر”. وقد استنتج الخبراء أنها تُثبت وفاة هؤلاء الأشخاص، بينما هم قيد الاعتقال، أو بعد نقلهم إلى مستشفى عسكري. وتطابق ذلك مع شهادة “قيصر”، حول حقيقة التقاط الصور داخل المشارح، أو في فناء مرآب سيارات في أحد المستشفيات العسكرية، وأن مصوري الشرطة العسكرية السورية التقطوا الصور، بالتنسيق مع مسؤولي الطب الشرعي، في مشفى (601) العسكري ومشفى تشرين العسكري، في دمشق، وأكدت كافة الشهادات والتقارير على احتجاز العدد الأكبر من الضحايا الذين التقطت لهم الصور في الفرع 215 سيئ الصيت (يُطلق عليه العديد من المعتقلين السابقين “فرع الموت”)، وهو يخضع لإدارة المخابرات العسكرية، الفرع 227 أو فرع “المنطقة”، فرع المخابرات الجوية في دمشق، الفرع 235 المعروف باسم “فرع فلسطين”، ووفق شهادات معتقلين سابقين ورجال أمن منشقين، وتحليل أصحاب الاختصاص، تؤكد الأدلة على أن وفاة المعتقلين ناجمة عن تعريض الجسم لصدمات قوية، الخنق، التجويع، طلق ناري في الرأس، جروح كبيرة مفتوحة في أجسام المعتقلين، أو جروح من جراء طلق ناري، أو دماء جافة خرجت من تجاويف الجسم. وقد أظهرت الكثير من الصور أجسادًا هزيلة، تظهر عليها آثار تعذيب.

تدحض استنتاجات فريق التحقيق إنكار النظام المتواصل ممارساته التعذيب وقتل السجناء المحتجزين في السجون ومراكز التحقيق التي يديرها، وتؤكد على موثوقية شهادة “قيصر”، وأهمية المعلومات التي قدمها. وأشار المحققون إلى أن ما أفاد به “قيصر”، بشأن توثيق النظام لجثامين الأشخاص المقتولين بواسطة الصور، يؤكد مدى حاجة النظام إلى هذه الصور للتأكد من تنفيذ الأجهزة الأمنية للقرارات الصادرة بحق الأشخاص المقتولين في المعتقلات. واعتبر فريق التحقيق هذه الصور بمثابة مؤشر قوي على حقيقة أن القتل قد تم بشكل ممنهج ومُنظم، وبموجب أوامر صادرة عن القيادة العليا. وشدد فريق التحقيق على موثوقية شهادة “قيصر” بشأن تجويع المعتقلين، إذ إن الهزال الواضح على أجساد القتلى يشير إلى استخدام النظام سياسة التجويع، كأحد أساليب التعذيب وإساءة المعاملة.

أكد فريق التحقيق وخبراء الطب الشرعي أن معظم الجثامين في الصور هي لشبان، تراوح أعمارهم بين العشرين والأربعين عامًا، وبعضهم قد تصل أعمارهم إلى الستين عامًا. وتظهر الصور أن الآثار البادية على أجساد المعتقلين تثبت استخدام أفراد الأجهزة الأمنية أساليب متنوعة من التعذيب، منها الضرب بأدوات قاسية كالعصي، الخنق باستخدام الرباط، الصعق الكهربائي. أما حقيقة ظهور عدد كبير من الشباب في هذه الصور من دون إصابات واضحة، فتدل على أنّ الموت حدث لأسباب غير طبيعية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق