ترجمات

صحيفة فزغلياد: الصين تأتي الشرق الأوسط كسيد الموقف المستقبلي

الصورة: Jason Lee/Reuters

تتحول الصين إلى لاعبٍ أقوى وأقوى، في الاتجاه الشرق أوسطي، لتنافس روسيا والولايات المتحدة في الاستحواذ على النفوذ. ويجب الاعتراف بأنها تقوم بذلك بنجاحٍ ملفت. ولكن لمَ يحتاج الصينيون إلى الشرق الأوسط؟ وأين مكمن استراتيجية الصين، التي تتطلع عادةً إلى المستقبل؟ ولماذا تقارن سياستها بالسير في حقل ألغام؟

صدّرت الصين إلى الخارج أكثر من 30 طائرة هجومية كبيرة موجهة (بدون طيار) من طراز (Rainbow-4). وكان من بين المشترين دولٌ عدة، كالعربية السعودية والعراق. وقد جاء في تقرير الجمعية الصينية للفضاء والطيران الفضائي أن “تصدير الطائرات الموجهة إلى دولٍ تدخل ضمن المفهوم الصيني (حزامٌ واحد- طريقٌ واحد)، وأن الدور الذي تلعبه هذه الماكينات في النشاط العالمي للحرب على الإرهاب يرفع من المبادلات الحربية الصينية، ويعزز تأثير ونفوذ بكين”.

وكان الرئيس الصيني سي تسين بين قد أطلق مفهوم (حزام واحد- طريق واحد) في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2013. وتتضمن هذه الاستراتيجية الشاملة مشاريع “الحزام الاقتصادي لطريق الحرير” و”طريق الحرير البحري للقرن 21″، ويفترض إنشاء شبكةٍ واسعة من البنى التحتية، تبدأ من الحدود الغربية الصينية لتصل إلى الحدود الجنوبية والشرقية من الاتحاد الأوروبي. وستسهم هذه الشبكة في إعادة تفعيل الاقتصاد الصيني الذي شهد انخفاضًا في معدلات النمو، من 10.4 بالمئة عام 2010، إلى 6.9 بالمئة عام 2017.

ستسمح ممرات النقل المزمع إقامتها بترشيد الشحنات التجارية، وتخفض تكلفة الكثير من البضائع الصينية، وتعزز موقف الصينيين في الأسواق الآسيوية والأوروبية، وتؤمن وصولًا أسهل إلى أسواقٍ جديدة، في أفريقيا على سبيل المثال. و”الحزام” سيوسع أيضًا تأثير بكين، لأنه سيشمل عددًا كبيرًا من الدول التي سيرتبط اقتصادها ومواردها التقنية والمالية والسياسية بالصين.

المغزى الجوهري في هذا المفهوم يحظى به الشرق الأوسط؛ حيث إن موقعه الجغرافي يجعل من المنطقة نقطة نقل مركزية على الطريق بين آسيا وأوروبا.

عبر النيران

يستدعي تحقيق الخطة المرسومة من الصين تخصيصَ موارد اقتصادية كبيرة، ومصادر طاقة ضخمة. ومن جديد، تقود الدروب إلى الشرق الأوسط، حيث تشكل الطاقة أحد أهم عوامل سياسة بكين الخارجية. فقد بينت إحصاءات عام 2017 أن استيراد جمهورية الصين الشعبية من الغاز الطبيعي ارتفع بنسبة 26.9 بالمئة، في حين ارتفع استيرادها من النفط بنسبة 10.2 بالمئة (ليصل 420 مليون طن). وكانت العراق، إيران، والمملكة العربية السعودية، في طليعة مصدري النفط إلى الصين، بينما كانت قطر أحد أكبر موردي الغاز الأزرق إلى السوق الصينية. حتى وقتٍ قريب كانت السعودية أكبر من يوفر احتياجات الصين من النفط، ولكن في أعوام 2016 و2017 تراجعت إلى المركز الثاني، بعد روسيا الاتحادية.

إذا أخذنا ذلك بالحسبان؛ فلن يكون مستغربًا أن تكون جمهورية الصين الشعبية واحدًا من أكبر الشركاء الاقتصاديين والتجاريين لمنطقة الشرق الأوسط. فقد استثمرت بكين مليارات الدولارات، في العراق وإيران ودول الخليج العربية، آخذةً بالحسبان تطورًا مهمًا في مستوى التعاون معها، من خلال إقامة مناطق تجارةٍ حرة مع الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليج العربية.

ولا تهمل الصين حتى فلسطين. فقد أعلن الرئيس الصيني سي بين، في شهر كانون الثاني/ يناير 2016 عن تقديم مساعداتٍ لفلسطين بقرابة مبلغ 50 مليون يوان (8 مليون $ تقريبًا). وفي الوقت نفسه، تقوم الصين بتطوير علاقات نشطة مع (إسرائيل). إذ تقوم الشركات الصينية بإنشاء أرصفة جديدة لاستقبال الحاويات في ميناء أشدود، وخطوط مترو خفيفة في تل أبيب، بالإضافة إلى حفر نفقٍ في جبال الكرمل قرب حيفا. وتبدي الصين اهتمامًا بالتكنولوجيا الإسرائيلية في مجالات: الإنترنت، الأمن المعلوماتي، المعدات الطبية، الطاقة البديلة والزراعة. بالنسبة إلى عدو “إسرائيل” اللدود: إيران، فإن الصين قد تمكنت من إقامة علاقات وديةٍ معها منذ فترةٍ طويلة. وغالبًا ما كانت بكين تسارع إلى تقديم الدعم لطهران في الأوقات الصعبة، عندما كانت الجمهورية الإسلامية تعاني من العقوبات الدولية. وفي الوقت الحالي، تستمر العلاقات بين البلدين بالتطور، حيث ارتفعت قيمة التبادل التجاري بينهما عام 2017 بنسبة 22 بالمئة، لتصل 30.5 مليار دولار. وبالمناسبة، يستخدم الإيرانيون (اليوان) الصيني كوحدة نقدية لاحتساب قيمة العملة الوطنية.

وبهذا، تكون الصين قد تمكنت من إيجاد التوازن في نظامٍ معقد من العلاقات السياسية في الشرق الأوسط، ليكون لها علاقات دافئة مع تلك الدول والشعوب، التي لا يطيق أحدها الآخر. ويمكن اعتبار أحد أفضليات الصين في هذا المعنى غياب الإرث الديني، الاستعماري والتاريخي لديها، والذي يظهر تأثيرًا على غيرها من الدول. يظهر الصينيون عدم التمييز بين العرب واليهود، بين السنة والشيعة، ليقيموا علاقاتٍ مع الجميع”، على أساس الاحترام المتبادل والفائدة المشتركة. وبهذا تختلف جذريًا عن السياسة العسكرية التي اعتادت عليها منطقة الشرق الأوسط.

في الوقت نفسه، تلعب مسائل الأمن دورًا مهمًا بالنسبة إلى الصين، وخاصةً الخطر الذي يمثله “تنظيم الدولة الإسلامية”. وكما هو الحال في روسيا، فإنه يوجد في جمهورية الصين الشعبية مصدرٌ داخلي للتطرف الديني، يتمثل بالمسلمين الصينيين: الأيغور، الذين يقاتلون في صفوف (داعش) و(جبهة النصرة). ففي النهاية قد يعود هؤلاء إلى وطنهم، ويمكن أن يطبقوا خبراتهم المكتسبة هناك. إضافة إلى ذلك، تشكل المجموعات المتشددة في الشرق الأوسط خطرًا على المصالح الصينية الاقتصادية في المنطقة، لتعرض للخطر مشروع الصين الأكبر (حزامٌ واحد- طريق واحد). ولهذا بالتحديد، تدعم بكين الحرب على الإرهاب في الشرق الأوسط، بتقديمها الأسلحة والطائرات الموجهة عن بعد.

يحاول الصينيون التدخل بصفتهم صناع سلام، لإدراكهم أن النزاعات بين دول المنطقة تخلق ظروفًا تسبب التأخير وتضع العراقيل على طريق مشروعها “الحزام”. وبشكلٍ خاص، تدعم الصين أي جهد قد يخفف من التوتر بين فلسطين و”إسرائيل”، ويعربون عن استعدادهم للعب دور الوسيط، بين العربية السعودية وإيران. هذا في سبيل التوصل إلى استقرارٍ المنطقة. كل شيءٍ لخدمة “الطريق الواحدة”.

حقل تجارب مزروع بالألغام

المسألة الرئيسية في هذا الخصوص: إلى متى تستطيع الصين المحافظة على التوازن في علاقاتها مع دول المنطقة المتصارعة، دون الانحياز إلى هذا الطرف أو ذاك؟ وقد يؤدي أي تأثيرٍ ضئيل على أحد مسارات النظام الاقليمي في الشرق الأوسط، إلى إثارة ردة فعلٍ متسلسلة لـ “تصب الزيت على النار” التي تؤججها صراعاتٌ صعبة الحل.

وهكذا، وبغض النظر عن التعاون، فإن عامل عدم الثقة يبقى في علاقات الرياض مع بكين؛ فالمملكة العربية السعودية تنظر بريبةٍ إلى سياسة الصين في سورية. ومن المعروف، أن الصين قد انتقلت، في إطار النزاع السوري، إلى جانب روسيا وإيران بوضعها (فيتو) على كثير من القرارات التي حاولت دول الغرب تمريرها في مجلس الأمن. وبالتأكيد، تتعارض سياسة بكين هنا مع مصالح الرياض.

ولكن لدى جمهورية الصين الشعبية ادعاءات تجاه السعوديين، مثل دعمهم الأقلية السنية من سكان الصين: الإيغور. فالكثير من الأمراء السعوديين يتعاطفون مع تطلعات الإيغور إلى استقلالهم الديني. ولهذا السبب، بالإضافة إلى أسبابٍ أخرى، تحاول بكين التقليل من اعتمادها على النفط السعودي، بتنويع مصادرها، وهنا وجدت الصين في روسيا خير شريك.

ومن ناحية أُخرى، فإن تعاطف الصين مع إيران لا يمكن إلا أن يؤثر على مصالح “إسرائيل” في المنطقة. كما أن توسيع منظمة شانغهاي للتعاون في منطقة الشرق الأوسط ودعم الصين لانضمام إيران إليها، يثير قلق الرياض. ومع أن بكين تحاول جاهدةً المحافظة على علاقاتٍ متوازنة؛ فسيأتي يوم يجب فيه على الصينيين الانحياز إلى أحد الأطراف، وعلى ما يبدو، فإن إيران ستكون ذلك الطرف، في حال انضمامها إلى منظمة شنغهاي.

ولتقليل المخاطر، ستلجأ الصين على الأرجح إلى استخدام أدواتها للتأثير على دول المنطقة، على سبيل المثال، جاذبية المشاركة في “الحزام” التي تؤمن للدول المشارِكة إمكانية تطوير بنيتها التحتية وتنفيذ برامجها الاستثمارية التي توفر فرص العمل، مما يخفف من نسب البطالة بين الشباب، وبما يساعد في حل مسألة النمو الاقتصادي غير المتوازن، في المدن ذات الكثافة السكانية العالية.

وعلى التوازي، تسعى الصين إلى توسيع التبادل التعليمي والثقافي، وخاصةً إتاحة الفرص لتأهيل الكوادر الفنية والخبراء من الدول الأعضاء في ما يعرف بـ “الحزام”. وستساهم هذه الاستراتيجية في تحجيم منابع عدم الاستقرار الإضافية. فالحرب هي الحرب، أما قطاع الأعمال البراغماتي، فيبقى على حاله. وهذه هي الأرضية التي تقف عليها الصين.

 

اسم المقالة الأصليةКитай приходит на Ближний Восток как будущий хозяин положения
كاتب المقالةآنا بوليكوفا
مكان وتاريخ النشرصحيفة فزغلياد. 26 شباط 2018
رابط المقالةhttps://vz.ru/world/2018/2/26/909868.html
ترجمةسمير رمان

 

مقالات ذات صلة

إغلاق