سورية الآن

عن الباقي من رصيد السوريين السياسي

 

تتحرّك السياسة في سورية في مسارٍ دائري، وتدور مخرجاتها العملية بالتبعية لها. يبدأ هذا المسار بالظرف الذاتي للمعارضة السياسية، ولا ينتهي عنده. وفي هذا المسار الدائري، تدور الأحداث من دون نهاية ومن دون تطور، بل يكرّر المشهد نفسه، بحسب مروره المتكرّر في نقاط، تحمل الإحداثيات الموضوعية والذاتية نفسها. لتتوضح هذه المقاربة أكثر، نعود إلى توصيف الحالة الذاتية للمعارضة السياسية في سورية قبيل الثورة، حيث تقدمت الإمكانات الذاتية بين عامي 2001 و2008، وساهمت هذه الفترة تحديدًا في تطوير القدرات الذاتية السياسية للمعارضة السورية التقليدية. وبدا أن الظروف الموضوعية للتغيير بدأت تتحرك نحو الانفراج، قبل أن تعود السلطة لتزيد قبضتها على الموقف، وتنهي ما سمي “ربيع دمشق”. ومع اندلاع الثورة السورية في عام 2011، بدأ المسار الدوراني، حيث تحرّك الظرف الموضوعي صعودًا، آخذًا بالقدرات الذاتية التنظيمية نحو التطور في البداية، ثم لاحقًا نحو الانتكاس أمام هول المشهد القمعي، ليكتمل النصف الأول من الحركة الدورانية. ثم مع فشل التشكيلات السورية المعارضة سياسيًا، وفشلها في إدارة خيوط السياسة وقنص الفرص، وإدارة العلاقة مع الخارج، واستمرار تصاعد خيار النظام الأوحد في العنف، وتزايد العسكرة؛ بدأ الظرف الموضوعي بالتناقص أيضًا، بالتوازي مع استمرار تناقص المقدرات الذاتية، حيث بدأ يتراكم الفشل، وتكرّست حالة الفوضى في الخطاب والأداء السياسي، لتعود الأمور إلى النقطة الأولى، ويكتمل النصف الثاني من الحركة الدورانية…
نقرأ، بهذا المعنى، أن لحظة الثورة الأولى تشبه لحظة سقوط حلب، (من حيث قيمة الظروف
الموضوعية والذاتية في اللحظتين السياسيتين)، وتشي الأحداث اليوم بمآلات مشابهة، في الحالة القائمة في الغوطة الشرقية، وخصوصًا بعد انحسار تأثير الهيئة العليا للتفاوض، وأفول عهد التشكيلات المعارضة مرة جديدة. أي تشي الأحداث، مرة أخرى، بعودة الحركة دورانيًا إلى النقطة نفسها، وبالتالي المصير نفسه، ما لم تتدخل قوى (داخلية أو خارجية) وتغير هذا المسار الدوراني غير المنتهي، والذي يعني استمراره أن تفشل الثورة، ويستمر موت السوريين، وتهجيرهم، وكذلك لا ينتصر النظام. وأن تفشل الثورة ولا ينتصر النظام هي، على الأغلب، المعادلة التي يرضى عنها لاعبون دوليون وإقليميون كثيرون في سورية.
ويبدو أن هذا المسار الدوراني المغلق قد أصبح “دائرة راحة المعارضة”، والتي لم تتعب نفسها كثيرًا. بمعنى أنه أثر فيها على مستوى المنهجية وطريقة بناء المقاربات والتفكير أيضًا، مثلًا: يمكن أن نلاحظ إجماع قوى الثورة السياسية، على مستوى الخطاب، على ضرورة بناء وضع ذاتي، يؤهلها لإقناع الدول بأن مصالحها تتلاقى مع مصلحة السوريين في تطلعاتهم المشروعة للحياة الكريمة. ولكن القوى نفسها تعتقد منهجيًا أن السبيل إلى تنفيذ ذلك يمر عبر مساعدة الدول نفسها للقيام بهذه المهمة. والمشهد من فوق يمثل مفارقةً غريبةً عجيبة، فهي تطلب مساعدة المجتمع الدولي في تأهيلها، لكي تصبح قادرةً على إقناع المجتمع الدولي نفسه بأن قضيتها تصب في مصلحته! تكمن المشكلة، إذن، في أن المعارضة السياسية تنظر إلى نفسها استنادًا إلى نظرتها إلى الخارج، وبالتالي إلى نظرة الخارج إليها، وبالتالي تبني ذاتها استنادًا إلى حاجتها إلى الآخر، لا إلى معرفة ذاتها بذاتها ولذاتها، والمتمثلة في استحضارها الدائم للغاية من وجودها، من “خلقها”، و”تكوينها”، و”هندسة تقويمها”؛ وهذه الغاية هي تمثيل
الإنسان/ المواطن السوري، والتشبع بآماله وتطلعاته، والعمل التراكمي الاستراتيجي على تحقيقها ووقعنتها، وهنا بيت القصيد وجوهر الموضوع. ولذلك هنا السؤال المهم: كيف يتم إيجاد قوة سياسية تمثل السوريين، ويلتف حولها السوريون، بعد كل الذي حصل؟ أي بصيغةٍ أخرى: كيف تغادر السياسة الوطنية السورية المسار الدوراني، نحو المسار التصاعدي الذي يبني الذاتي، فيؤثر في توفير الموضوعي المطلوب للتغيير؟ صحيح أن هذا السؤال عريض، وغير محدد بتفاصيلٍ وجزئيات، ولكن أفضل طريقة لمقاربته وفق التالي:
أولًا: تغيير المنهجية القائمة على مركزية إسقاط النظام القمعي الطغموي الحاكم في سورية، والتي شكلت مركزًا للحركة الدورانية المغلقة، وتحويل هذا الهدف المركزي إلى مهمة مرحلية، تنتمي إلى حزمةٍ من المهام الأخرى، وإن كانت أهمها وأكثرها إلحاحًا، وتعمل هذه المهام مجتمعة، كترجمة للهدف الاستراتيجي المتمثل في بناء دولة السوريين الوطنية التي تجعل سورية وطنًا لجميع أبنائه. وإذا كان لا بد من هدفٍ مركزي، فهو الإنسان السوري المعرف بدلالة الدولة الوطنية السورية الحديثة.
ثانيًا: في الوقت الذي لا تملك السياسة الوطنية السورية القدرة على التأثير في العوامل الخارجية، وسياسات الدول المعنية والفاعلة بالوضع السوري، فإنها، من دون شك، قادرة على بناء قوة داخلية، تقوم على ذاتها، ولذاتها. وهكذا تتناول نقطة مؤاتية في المسار الدوراني، وتأخذ به نحو الصعود متقدمةً بذاتها، ومؤثرة بمسارات الظروف الموضوعية لخدمة مصالحها وأهدافها، وأهم ما ينقصها في هذا السياق هو “التأهيل”.
وجرت العادة على إلصاق صفة “المؤهل” بالذين يمتلكون القدرة والخبرة اللازمة لإعداد خطط واستراتيجيات سياسية فوقية، ثم ترجمتها إلى مهام عملية، يجري تسويقها نخبويًا، وصولًا إلى إيجاد حامل مجتمعي (تحتي)، لهذه الاستراتيجيات والخطط. ولكننا نعتقد اليوم، أكثر من أي وقتٍ مضى، أن هذه المعادلة يجب أن تقلب رأسًا على عقب. حيث إن استمرارها، في الوضع الراهن، يعني إجبار الإنسان على أن يمشي على رأسه ورجلاه إلى الأعلى، ثم توجيه الملامة إليه بأنه لا يتقدّم كما يجب، وهذا موقف السياسيين من المجتمع في أغلب الأحيان. الصحيح أن المؤهل في هذه المرحلة (أفرادًا أو تشكيلات)، هو من يأخذ علمه من الواقع، وبالتالي يبدأ من الواقع، من المجتمع، من البنى التحتية، ثم يبني بناه الفوقية متناغمةً معها، ومستندةً إليها، لا العكس. وهذا لا يعني تقليد الشارع، بل يعني البناء استنادًا إلى الواقع، والابتعاد عن النمط الرغبوي، ويعني فهما وتحليلا أعمق وأنجع. ولا نرى أفضل من تفعيل دور شباب الثورة في العمل السياسي، ليلعبوا الدور الأساسي في أداء هذه المهمة التي من الصعب على كثيرين من “الجيل القديم” التشبع بها، على ما بدا خلال سبعٍ سنوات عجافٍ قد خلت.

(*) كاتب سوري

مقالات ذات صلة

إغلاق