تحقيقات وتقارير سياسية

المرأة الإيرانية ومتلازمة الحجاب الإجباري

 

قبل ثلاثة أيام من الاحتفالات الرسمية السنوية بالذكرى التاسعة والثلاثين لانتصار الثورة الإسلامية في إيران، وبعد أربعين عامًا من قانون الحجاب الإجباري؛ انتفضت واعترضت العديد من النساء الإيرانيات، بشكل علني وبشعارات جريئة، على هذا القانون القسري في البلاد، واعتُبر يوم الإثنين 27 كانون الثاني/ يناير 2017 “يوم القيامة ضد الحجاب الإجباري”.

أُعلن عن قانون الحجاب الإجباري، والعمل به في نظام الجمهورية الإسلامية، قبل يوم واحد من يوم المرأة الإيرانية في الثامن من آذار/ مارس 1979 والمصادف ليوم المرأة العالمي أيضًا.

خلال خطاب آية الله خميني، في مدرسة (رفاه) آنذاك، أعلن عن استيائه من وجود نساء غير ملتزمات بالحجاب الديني في الوزارات ومؤسسات الدولة الإسلامية، وطلب التزام النساء بالحجاب.

عقب انتشار هذا الخطاب؛ تحوّلت تظاهرات النساء، في يوم المرأة، إلى أكبر تظاهرات مناهضة للحجاب الإجباري، فتجمع نحو خمسة عشر ألف امرأة في جامعة طهران، بمشاركة العديد من الرجال، وتوجه الجمع باتجاه مكتب رئيس الوزراء، وهتفوا بشعارات ضد الطغيان والحجاب الإجباري.

لم تقتصر هذه التظاهرات فقط على المعترضين على الحجاب الإجباري، بل انضم إليهم العديد من النساء المناصرات للحجاب، إضافة إلى أطياف اجتماعية متعددة: معلمين وموظفين وممرضات ومضيفات طيران وفنانين، شاركوا في هذه التظاهرات جنبًا إلى جنب في المدن الكبرى، وأدت هذه التظاهرات إلى تعليق العمل مؤقتًا بقانون الحجاب الإجباري.

في 14 تموز/ يوليو 1981، وجّه الخميني خطابًا انتقد فيه بشكل حاد فشلَ الحكومة في تنظيف الوزارات والمؤسسات من بقايا النظام الإمبراطوري “الشاهنشاهي”، وجاء خطابه هذا في وقت كان الوضع السياسي ملتهبًا في البلاد؛ فمن جهةٍ، الاضطرابات في محافظة كردستان وصحراء التركمان، ومن جهة أخرى، المواجهات بين القوى المناهضة للحكومة وحزب إلهي في طهران، هذه الظروف الأمنية لم توفر مناخًا مساعدًا لاعتراض النساء مجددًا على الحجاب الإجباري؛ ما دفع السلطة إلى الإسراع بإصدار قرارات تمنع دخول النساء دون حجاب للدوائر الحكومية.

استمر العمل بهذا القرار إلى أن صدر قانون وجوب وإلزامية رعاية الحجاب الإسلامي واعتماده رسميًا عام 1984، وفق المادة 102 من قانون العقوبات الإسلامي، وأصدرت السلطات الأوامر للتصدي والتعامل الحازم مع كل من لا يلتزم بهذا القانون، وتم تشكيل لجان من النساء والرجال، أوكلت إليهم هذه المهمة تحت مسمى “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتصدي لغير الملتزمين بالحجاب”.

استمر هذا الوضع سنوات عديدة، في الثمانينيات، لم تسمح الحرب الدائرة بين إيران والعراق وفضاء الحريات المغلق من قبل الدولة، بفتح المجال للتطرق لقضية لباس وحجاب النساء.

في التسعينيات، خلال عهد عُرف بالتنمية والازدهار، أثارت فائزة هاشمي، ابنة الرئيس هاشمي رفسنجاني جدلًا كبيرًا للغاية، في الإعلام والشارع الإيراني، من خلال ظهورها في البرلمان، وهي ترتدي بنطال (جينز) تحت “الشادور”، (وهو العباءة الإسلامية المعروفة في إيران)، وفي الأماكن العامة أيضًا، إضافة إلى صور لها بأحذية حمراء اللون وحديثها عن قيادة النساء للدراجات.

حدثت التغيرات الأساسية والجوهرية على يد جيل الشباب الذين ولدوا بعد عام الثورة 1979، والذين نشؤوا في مدارس ثورية، فلم يشاهدوا ولم يلمسوا من هذه الثورة إلا الاسم فقط.

جيل الشباب هذا، المغيب عن معرفة ما حصل من اعتقالات وإعدامات وتصفيات نفّذها نظام الخميني في الثمانينيات، ضد مناهضيه من مختلف الأطياف السياسية والمجتمعية، هؤلاء الشباب ومع انتخابهم محمد خاتمي رئيسًا لهم، والذي بدوره بدأ مرحلة إصلاحات جديدة في البلاد، وجدوا فيه بصيص أمل للنهوض والتنمية والتغيير المدني.

كان معظم هؤلاء الشباب من الفتيات الراغبات في المشاركة الفاعلة أكثر في المجتمع والدولة، ومن المُطالبات برفع نسبة حضورهن في الجامعات، والسماح لهن بارتداء (المانطو) والشالات الملونة وبنطال الجينز، وحرية مواكبتها لملابس العصر، هذا الوضع الجديد اعتبره النظام الديني الحاكم تحدّيًا لمبادئ الثورة الإسلامية، وأطلق عليه “نفوذ العدو عبر السلاح الثقافي”.

على الرغم من التغييرات السياسية والاجتماعية في عهد محمد خاتمي، لم يتطرق لمسألة الحجاب بشكل جدي سوى عدد قليل من الشخصيات السياسية، على وجه الخصوص انتقاد الحجاب الإجباري أو النقاش حوله، ولم يجرؤ أحد على ذلك، ولم يعتبروا هذه القضية ذات أولوية.

أدت الصراعات والخلافات السياسية الحادة بين الإصلاحيين والمحافظين، إلى غياب كامل للأصوات المنتقدة التي تناولت هذه المسألة، ومن هذه الأصوات على ندرتها حسن يوسفي أشكوري، رجل الدين والناشط المعروف آنذاك، ففي أحد الاجتماعات على هامش مؤتمر برلين، أكد أن “العديد من القواعد والأحكام الاجتماعية الإسلامية قابلة للتغيير، والحجاب من ضمن هذه الأحكام، والحجاب قضية ثقافية”، حديثه هذا كان سببًا في إصدار حكم إعدامٍ بحقه، لكن حديثه هذا لم يلق الصدى المتوقع.

في آذار/ مارس 2003، أُقرّ المجلس الأعلى للثورة الإسلامية خطة، بشأن تطوير وتوسيع ثقافة العفة والحجاب، والتي طُبّقت فيما بعد خلال فترة رئاسة أحمدي نجاد، ورغم مشكلات البلاد المتضاعفة في عهده، والتي لا يمكن اختزالها فقط بتسريحات شعر الشباب واللباس اللاشرعي للنساء، نشطت بكثافة لجان الإرشاد (الشرطة الأخلاقية)، وهي لجان تُلاحق الشباب الذكور والنساء غير الملتزمين باللباس والآداب والعادات الإسلامية، وتم العمل على ذلك بتوجيه مباشر من المرشد الأعلى.

في فترة الانتخابات الرئاسية عام 2009، وعلى خلاف ما كان يحدث في الماضي، أصبح موضوع لباس وحجاب النساء أحد أهم القضايا الرئيسية في الانتخابات، حيث وعد المرشح الإصلاحي حسين موسوي خلال برنامجه الانتخابي، في حال فوزه في الانتخابات، أنه سيعمل على إغلاق وتعطيل لجان الإرشاد بالكامل، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يطرح فيها مرشح للرئاسة في إيران موضوعَ لباس وحجاب المرأة بشكل علني وواضح، وورد ذلك بعنوان رئيس في الصفحة الأولى لإحدى الصحف التي أجرت مقابلة معه.

بعد سبع سنوات، عشية الانتخابات الرئاسية عام 2015، صرّح قائد القوى الأمنية حسين اشتري مستنكرًا: “يطرح أي شخص، في أي مدينة يريد خوض سباق الرئاسة، شعار إغلاق وتعطيل لجان الإرشاد. هل هذا ممكن ومعقول!”، لكن حسن روحاني أشار في السنوات الأخيرة إلى هذه القضية: “الثقافة لا تتحسن عبر حافلات وباصات الشرطة”، في إشارة إلى السيارات الخاصة بلجان الإرشاد.

خلق انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي فضاءً ومساحة خارجة عن سيطرة ورقابة الدولة والأيديولوجيات المتعلقة بالمرأة، ووجدت النساء في إيران، كغيرهن من المجموعات الأخرى، مجالًا للتنفس والتعبير بحرية، من حيث نشر صورهن الشخصية والخاصة دون حجاب، والحفلات الراقصة المختلطة، وارتدائهن لأحدث الموديلات. وتدلّ ردات الفعل هذه التي حطّمت “التابو” والمحرمات في المجتمع الإيراني، على مدى احتقان المرأة لعقود من قانون اللباس والحجاب الديني الإجباري.

استفادت المرأة الإيرانية من الفضاء الإلكتروني المجازي، عبر إطلاقها العديد من الحملات المناهضة للحجاب الإجباري، بما في ذلك حملة عام 2012 (لا لا للحجاب الإجباري) التي رفعت شعار “حرية اختيار الحجاب حق المرأة الإيرانية”، لتتبعها فيما بعد حملات على مواقع التواصل الاجتماعي، لاقت صدى وقبولًا وانتشارًا واسعًا في أوساط النساء في إيران، منها حملة (الحرية المخفية)، وبعدها (أيام الأربعاء الأبيض)، وشجّعت هذه الحملات النساء والفتيات في إيران على نزع الحجاب في الأماكن العامة والشوارع، والتقاط صور لهن ونشرها.

انتشر في 27 كانون الأول/ ديسمبر 2017 مقطع فيديو قصير، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لاقى صدى منقطع النظير، وأصبح أيقونة ورمزًا للنضال العلني المناهض للحجاب الإجباري، وفي الفيديو تظهر فتاة شابة واقفة بكل هدوء وثقة وسط طهران، على صندوق مرتفع على حافة شارع (انقلاب)، ثم نزعت حجابها وعلقته بعصا خشبية ملوّحة به كراية للأعلى.

قامت السلطات حينئذ باعتقال الفتاة، ولكن المحامية نسرين ستوده المدافعة عن الفتاة أعلنت في الأيام الأخيرة الماضية أنه تم إطلاق سراح الفتاة، وقامت العديد من النساء والفتيات بتكرار الخطوة في عدة مدن إيرانية، وبعد مرور أربعة عقود من مشاركة المرأة في التظاهرات الاحتجاجية بشكل علني، ضد أول قرار إلزامي للحجاب، ها هي المرأة الإيرانية تعود اليوم لتحتجّ وترفع صوتها عاليًا، بكل جرأة، ضد إلزامية الحجاب من جديد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق