ترجمات

صحيفة فزغلياد: ثلاث روايات رئيسة حول تحطم طائرة (أنطونوف–26) في سورية

الصورة: Igor Bubin/wikipedia.org

مقدمة

في قاعدة حميميم فوضى، وكأن القاعدة أصبحت ساحة عبور، إذ يتغيّر الطيارون كل ثلاثة أشهر. على هذا النحو، يقيّم الطيارون ذوو الخبرة الوضع في اللواء الجوي المختلط الذي يقاتل في سورية. وتبقى الأسباب الرئيسة لكارثة تحطم طائرة الشحن العسكرية (أنطونوف-26) محصورةً في ضعف كفاءة الطاقم والخطأ البشري. ومع ذلك، يمكن أن يكون سقوط الطائرة ظاهرة طبيعية نادرة الحدوث، ولكنها ليست الظاهرة الطبيعية الوحيدة.

قامت وسائل الإعلام الروسية، يوم الأربعاء، بتكرار الرواية التي تقول بتعرض الطائرة الروسية لإطلاق النار من قبل مسلحي “جيش الإسلام”، بالقرب من قاعدة حميميم. وتفيد تقارير بعض الصحافيين الروس، استنادًا إلى صحيفة (الديار) اللبنانية، أن “هذه العصابة قد تفاخرت بإسقاطها الطائرة الروسية”. وفقًا للصحيفة، قام المسلحون باستهداف الطائرة برشاشاتٍ ثقيلة، عندما كانت على وشك التوجه إلى مدرج الهبوط، وهي على ارتفاع مئة مترٍ عن سطح الأرض.

بالمناسبة، لا يتوفر أي دليل يؤكد ادعاءات صحيفة (الديار) اللبنانية. بعد ساعاتٍ من وقوع الحادث، أعلن فريق Conflict Intelligence Team، الذي يقوم بالتحقيق في النزاعين الأوكراني والسوري، أن هذه الادعاءات “مفبركة”. ويقول الفريق: “يشار إلى صحيفة (الديار) اللبنانية كمصدرٍ لهذه الأخبار. غير أن هذه الصحيفة، وهي مرتبطة بالحزب القومي الاجتماعي السوري ذي النزعة الفاشية، لا تشير إلى بيانٍ صدر عن الجماعة التي تتهمها. ولم نجد أي إعلان أو تصريح حول إسقاط الطائرة، لا على (تويتر) باللغة الإنكليزية، ولا قناة (تليغرام) “جيش الإسلام” باللغة العربية.

حتى في حال وجود تصريحٍ من “جيش الإسلام” بتبني الهجوم، فإنه لا ينبغي الوثوق به، لأن هذه المجموعة تتمركز في الغوطة الشرقية. ويلاحظ فريق استخبارات النزاع أن “مقاتلي (جيش الإسلام) غير موجودين عمليًا في منطقة سقوط الطائرة”، كما يؤكد الفريق عدم نشر أي جماعة مشهد فيديو لاستهداف الطائرة الروسية An-26، والذي يمكن أن يكون دليلًا على قيامهما بالهجوم.

سبق لوزارة الدفاع الروسية أن نفت بشكلٍ قاطع تعرض الطائرة للنيران، مضيفةً أن الأراضي المحيطة بالقاعدة تقع تحت سيطرة القوات السورية والروسية. نذكر أن 39 شخصًا لقوا حتفهم نتيجة الحادثة. ونشير إلى تابعية الطائرة للجيش السادس في القوات الجوية والفضائية الروسية، في قاعدة حميميم.

الرواية الأولى: ظاهرة طبيعية صعبة التوقع

في الوقت نفسه، ناقش الخبراء في روسيا، يوم الأربعاء، الأسباب الفعلية التي أدت إلى هلاك An-26.

أحد احتمالات أسباب المأساة، ما سمّاه الخبراء بـ “انزياح الرياح”. وهذه ظاهرةٌ طبيعية يصعب التنبؤ بها، وفي حال حصولها، يحدث تغيرٌ مفاجئ في اتجاه وسرعة الرياح. وقد أوضح الطيار الحربي والمشارك في الأعمال القتالية الفريق فلاديمير بوبوف، لصحيفة (فزغلياد): “عندما تواجه الطائرة تيار الهواء هذا؛ يجد الملاحون أنفسهم في حالة ملاحةٍ بالغة الصعوبة، إذ يؤثر (انزياح الرياح) تأثيرًا حاسمًا في مقدرة الطيارين على تحديد وضع الطائرة، بالنسبة إلى الأرض. في حقيقة الأمر، يتعلق الأمر بأن تصرفات الطيار تصبح على عكس ما يجب أن تكون عليه”.

وأضاف الخبير: “دعونا نتصور أن علينا دفع عجلة القيادة بعيدًا بعض الشيء عن أنفسنا، ولكن الذي يحدث أننا، وكأننا نقوم بسحبه باتجاهنا. وفي هذه اللحظة يتدفق التيار على الأجنحة عكس المنطق الذي اعتدنا عليه، والذي يجب أن يكون، بحسب قوانين علم الديناميكا الهوائية، وفقًا لطريقة الهبوط”. كما أبدى بوبوف تحفظًا بشأن التثبت من ظاهرة “انزياح الرياح”، التي يقول إنها لم تثبت رسميًا.

وقد ذكر الصحافيون أن سرعة الرياح الجانبية، في أثناء الحادثة في حميميم، كانت بين 7- 13 م/ ثانية، منذرةً باقتراب جبهة هوائية عاصفة. وفي الوقت نفسه، فإن حدود سرعة الرياح الجانبية عند الهبوط بالنسبة لطائرة An-26 هي 12 م/ ثانية. ووفقًا لشهود عيان، دخلت الطائرة عملية الهبوط وهي بحالة ميل، قد يكون ناجمًا عن الرياح الجانبية. وأوضح بوبوف: “للأسف، ليس بمقدورنا حتى الآن التنبؤ بظاهرة (انزياح الرياح) بواسطة الأجهزة والمعدات الملاحية، وحتى الآن لا يقدم العلم إجاباتٍ بهذا الشأن”.

 الرواية الثانية: خللٌ فني

بالإضافة إلى اتهام الظروف الجوية، يمكن التطرق إلى الخلل الفني البحت. ولم يكن من باب الصدفة أن تلقى وزارة الدفاع الروسية اللوم فورًا على “الأسباب الفنية”.

يقول مصدرٌ لصحيفة (غازيتا. Ru) إن الطائرة التي قامت للتو برحلةٍ على خط حميميم- كويرس- حميميم، جرى تفقدها في نقطة الانطلاق فقط، حتى إن الطيارين لم يطفئوا محركاتها في مطار كويرس.

لا يستبعد فلاديمير بوبوف حدوث خللٍ في محركات الطائرة: “على الأرجح، كان هناك هبوطٌ في قوة المحرك، أو فشلٌ في نظام التحكم الهيدروليكي بالمحرك”. وبرأيه، عندما تكون الطائرة على ارتفاع 5 أمتار وتطير بسرعة 150- 170 كم/ ساعة، يمكن أن يصبح هذا الفشل كارثيًا. يعبّر الخبير عن ثقته بأنه في حالة الـ An-26، ترافقت عدة عوامل: “في حال حدوث انزياح الرياح أو فشل الأجهزة، كل على حدة، يستطيع الطيارون التعامل مع الوضع. أما عندما يحدث ذلك في وقتٍ واحد؛ فإن حالة الطوارئ تتطور خلال ثوانٍ. فالوقت المتوفر للطيارين في أثناء عملية الإقلاع والهبوط قصيرٌ جدًا، ويكون غير كافٍ للتصرف”.

ويضيف: “عندما يحدث ذلك على ارتفاع 25- 30 مترًا؛ يظهر انحراف، وتتشبث الطائرة بصلابة الهيكل وبوحدة الجناح، وبعد ذلك تتم إدارتها. وفي هذا الوقت يكون عزم العطالة كبيرًا جدًا، ولا تكفي عجلات القيادة للتحكم بالطائرة، وهنا يحدث الهبوط المفاجئ، وتكون لدى الطيارين مشكلة عويصة في فتح الأجنحة والجنيحات، وبالتالي تصبح كفاءة أدائها متدنيةً للغاية”.

الرواية الثالثة: خطأ بشري

يقول القائد السابق للجيش الجوي الرابع في القوات الجوية والدفاع الجوي اللفتنانت جنرال فاليري غوربينكو، لصحيفة (فزغلياد): إن تحطم الطائرة يعود إلى خطأ بشري، ويمكن أن يكون بسبب ضعف تأهيل الطيارين: “فبعد انهيار الاتحاد السوفيتي؛ انخفض مستوى تدريب الطيارين. ولم يحلقوا كثيرًا بالطائرات، في حين لم تعط التدريبات التي خضعوا لها، في السنوات الخمس الماضية، نتائج نوعية كافية بعد”. ويرى الجنرال أن مستوى تدريب طواقم الطيارين ليس مرتفعًا، على الرغم من أن الحكومة أولت التدريب اهتمامًا كبيرًا.

جنرالٌ متقاعدٌ آخر أشار لصحيفة (فزغلياد) إلى أنه يشكك في رواية تحطم الطائرة لأسبابٍ فنية، ويرجح السبب في ضعف كفاءة الطيارين، إذ قال: “(أنطونوف-26) طائرة موثوق بها للغاية، وعلى هذا الارتفاع والبعد عن المدرج، يمكن أن يُهبط بها بأضرارٍ طفيفة، حتى لو فشل المحركان معًا”. وأضاف الجنرال أن المطارات الواقعة في مناطق القتال تتمتع بمنهجيةٍ خاصة للدخول إلى مدرج الهبوط، تم تطويرها في أفغانستان، ولهذا أُطلق عليها تسمية “النهج الأفغاني”.

وبحسب الجنرال، فإن نصف قطر مناطق الهبوط المؤمنة حول المطارات، يصل إلى 4-5 (كم). وفي أفغانستان، كان الطيارون يقتربون من المطار على ارتفاع 1.5-2 (كم)، كي لا يتاح للأعداء الزمن الكافي لاستخدام وسائل الدفاع الجوي المحمولة لإسقاط الطائرات. وبعد دخول الطائرات المجال المحمي، تقوم بهبوطٍ حاد. وأشار الجنرال: حتى الطاقم، ذو الخبرة الواسعة في الظروف العادية، قد يتعرض لصعوباتٍ في ظروف المعركة. وأوضح المصدر: “هذا النمط من الهبوط أمرٌ غير عادي بالنسبة إلى غالبية الطيارين. وجوهر الأمر أنه عند الدخول إلى منطقة الحماية؛ يتم خفض دوران المحركات واتخاذ زوايا كبيرة للالتفاف والانحدار: يتم الانحدار بزاوية 15-20 درجة للأسفل بزاوية دوران تصل إلى 45 درجة. وفي هذه الظروف تفقد الطائرة ارتفاعها بسرعة، خاصةً مع الحمولة. عند هذا، قد تصبح الطائرة على ارتفاع قليل وتطير بسرعة منخفضة. تحافظ الطائرة في هذه الحالة على العطالة الشاقولية. وأردف المتحدث: “عند هذه النقطة، يجب سحب المكنة، ولكن القوة اللازمة لا تكون متوفرة”.. يفترض الجنرال أن هذا بالضبط ما حدث مع An-26: “كانت السرعة الشاقولية أعلى مما كان يتوقعه الطيار الذي بدأ بسحب المكنة، ولكن المحركات لم تستجب على الفور لتعطي القدرة اللازمة”.

يرى الخبير أن “جناح الطائرة قد ارتطم بأحد الأبنية، في أثناء الدخول إلى وضعية الهبوط”، ويدعم هذه الرواية. ويعتقد المصدر أن الطائرة لو لم تحتك بالمبنى؛ كان بالإمكان إنقاذ الجنود الموجودين على متنها. وأشار الجنرال: “كانت الطائرة ضمن منطقة أمان، حيث الأرضية جيدة، حيث كان بإمكان الطائرة الاصطدام بالأرض والانزلاق عليها، من دون عدد كبير من الضحايا”.

 قاعدة حميميم.. سبع مربيات وأطفالٌ بلا عيون

يقول الجنرال إن حالة من تسرب الكوادر تسود قاعدة حميميم، ويبيّن: “في حميميم فوضى، فقد أصبحت القاعدة عبارةً عن ساحة عبور للطيارين الذين يُستبدلون كل ثلاثة أشهر. وهذا العمل غير صحيح، إذ يجب أن تكون الفترة 6 أشهر على الأقل. ففي أفغانستان، كان الطيار يمضي سنةً كاملة”.

ويتابع الجنرال: “من غير المفهوم تابعية هذا اللواء. في الأركان هناك قسمٌ للتحضير القتالي، ولكن في حميميم تنصب كل الجهود على تجهيز الطيران الحربي، بالدرجة الأولى. أما لواء النقل، فقد أوكل لخبيرٍ أو اثنين من قسم الإعداد القتالي. والنتيجة أن القليل من الاهتمام يوليه الجيش الجوي نفسه لهذه الألوية المتنقلة؛ إذ ليس بمقدوره ببساطة إيلاؤه اهتمامًا أكبر”.

 

اسم المقالة الأصليةТри главных версии катастрофы Ан-26 в Сирии
كاتب المقالةنيكيتا كوفالينكو
مكان وتاريخ النشرصحيفة فزغلياد. 7 شباط 2018
رابط المقالةhttps://vz.ru/society/2018/3/7/877273.html
ترجمة سمير رمان

 

مقالات ذات صلة

إغلاق