تحقيقات وتقارير سياسية

الولايات المتحدة الغائب الحاضر في المشهد السوري

 

ما تزال الولايات المتحدة الأميركية الغائبَ الحاضر في المشهد السوري، ولا يمكن -شئنا أم أبينا- تجاهلها في أي حلّ نهائي في سورية، سواء أكان سياسيًا أم عسكريًا. وقد ذكّرَت المندوبة الأميركية في مجلس الأمن الجميع، بهذه الحقيقة، عندما قالت أثناء تقديم مشروع القرار الأميركي الأخير: “واشنطن ما زالت مستعدة للتحرك في سورية، إذا تعين ذلك”.

وقد تميز الموقف الأميركي بالضبابية المدروسة، بداية الثورة السورية؛ إذ اقتصر الموقف الأميركي على مواقف وتصريحات سياسية داعمة للحراك السلمي، مستنكرة للقمع الدموي الذي كان سفيرها شاهدًا حيًا عليه. وتطورَ الموقفُ الأميركي ليأخذ منحًى سلبيًا واضحًا، تمثل بتقنين الدعم العسكري للفصائل العسكرية ومنع السلاح النوعي عن الثوار، تحت ذريعة الخشية من وقوعه باليد الخطأ، حيث شُكلت غرفتا “الموك” و”الموم” عام 2012 وهدفتا إلى إدارة وضبط العمل العسكري، وفق أهداف محددة تخدم مصالح هذه الدول، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، بعيدًا عن مصالح الثورة، وأثبتت الأيام الأثر السلبي لهاتين الغرفتين على الثورة السورية. وظهرت انتهازية الولايات المتحدة، عند المساومة الرخيصة على سلاح الأسد الكيمياوي، عندما استخدمه في الغوطة، في آب/ أغسطس عام 2013.

اليوم، بعد استعادة النظام السيطرة على مناطق واسعة من سورية، أهمها تأمين العاصمة، واستعادة حلب الشرقية؛ تقف خارطة السيطرة العسكرية، لتثبت أن انتصارات النظام تعني الدخول في مرحلة جديدة من الصراع، ليس للنظام والروس اليد الطولى فيها، فالصراع لم يحسم على الجغرافية السورية، وليس بإمكان النظام وداعميه قصف الأميركيين والتقدم خطوة نحو نفوذهم الشاسعة.
فالخارطة العسكرية تشير إلى وجود عددٍ من القواعد العسكرية الأميركية، على الأرض السورية، وصل إلى عشرين قاعدة، وفق تصريح للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أبرزها قاعدة رميلان والمبروكة وعين العرب وعين عيسى أكبرها مساحة، وتل أبيض، ولا تتوفر أرقام دقيقة عن عدد الجنود الأميركيين، لكن عدد القواعد ينبئ عن كثرتهم، وقد صرح الجنرال الأميركي جيمس جيرارد، قائد العمليات الخاصة لقوات التحالف الدولي لمكافحة “تنظيم الدولة”، بانتشار نحو 4 آلاف جندي أميركي داخل الأراضي السورية، بهدف دعم ميليشيات (قسد). ويبدو الرقم قريبًا من الواقع، رغم تصحيح جيرارد في مؤتمر صحفي بوزارة الدفاع الأميركية، تصريحاته قائلًا: “أعتذر قلتها بالخطأ، فعدد الجنود الأميركيين في سورية 500 فقط”.

وتتواجد هذه القواعد والقوات في المنطقة الممتدة من منبج غربًا إلى القامشلي شرقًا، وهي المناطق الواقعة تحت سيطرة (قوات سورية الديمقراطية) التي تشكل قوات الحماية الكردية عمودها الفقري، هذه القوات التي اتخذتها الولايات المتحدة ذراعًا لها على الجغرافية السورية، في الحرب على (داعش)، وقد أثبتت الولايات المتحدة -عمليًا- أنها لن تسمح لأحد، أيًا كان، بالاقتراب من منطقة نفوذها؛ فأسقطت طائرة حربية سورية قرب الرقة، وقتلت مئات المرتزقة، بينهم روس، حاولوا مهاجمة إحدى القواعد في دير الزور، ونشرت جنودًا أميركيين، ورفعت علمَها في منبج وغيرها في المناطق المحاذية لتركيا، لمنع الأتراك من الاقتراب من هذه المناطق، باعتبارها خاضعة لنفوذهم.

تؤكد الولايات المتحدة أن وجودها شرعي، إذ يندرج تحت الحرب على الإرهاب “تنظيم الدولة”، بينما تشير المعطيات إلى أن الهدف أبعد من ذلك، فالوجود الأميركي يهدف إلى تحجيم إيران بداية، والروس ثانيًا، ناهيك عن الأهداف الاقتصادية والجيوسياسية، على مستوى المنطقة عمومًا؛ فأميركا لن تترك الروس ينفذون مشروعهم بعيدًا منهم. لكن ما الأدوات التي تملكها الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها في سورية، وهل باستطاعة هذه الأدوات لجم الإيرانيين وتحجيم الروس وإجبارهم على حل سياسي، يحقق الحد الأدنى مما يسمى الانتقال السياسي؟

على الأرض، تجهد الولايات المتحدة في بناء قوة عسكرية من أبناء المنطقة؛ لرد تهمة إخضاع المناطق العربية لسلطة الأحزاب الكردية الانفصالية، وتحاول باستمرار فتح قنوات مع تركيا، رغم الخلافات الحادة، ولا سيما بعد إخلاف أوباما بوعوده لأردوغان بانسحاب (قوات حماية الشعب) الكردية من منبج، ورفض ترامب الشروط التركية للمشاركة في معركة الرقة، رغم كل ذلك، أعلن وزير الخارجية التركي تأسيس مجموعة عمل مع أميركا، من أجل تحقيق الاستقرار في منبج والمدن الواقعة شرق الفرات. ويتوقع أن ينتج عن مجموعة العمل تقارب أميركي تركي، وفق صحيفة (واشنطن بوست) التي أكدت أن الولايات المتحدة ستضحي بحلفائها الأكراد، وستسعى لترميم علاقتها مع تركيا. ويتوقع أن يتبع هذا الترميم عمل أميركي كبير، يحتاج فيه الأميركيون إلى أن يكون الأتراك في صفهم.

فالمناطق الخاضعة للنفوذ الأميركي والتركي تشمل الشمال السوري كاملًا، من الشرق إلى الغرب، وتتضمن هذه المنطقة ثروة سورية النفطية وسلتها الغذائية، وبمجرد حل الطرفين لمسألة مستقبل الدور الكردي، فإنهما يتفقان حول نقاط كثيرة، منها ضرورة تحقيق انتقال سياسي لإنهاء المأساة السورية، انتقال لا يكون الأسد جزءًا منه. وقد اتفق الطرفان على رفض سوتشي، بل أسهما في إفشاله لإدراكهما أنه يحمل مشروعًا سياسيًا روسيًا خاصًا بعيدًا من كل القرارات الدولية، ومن دون مراعاة الدول الفاعلة في الملف السوري.

وبعيدًا عن الشمال الشرقي لسورية، فإن الولايات المتحدة حاضرة في الجنوب السوري، ولعبت دورًا بارزًا في تبريد الجبهات مع النظام، ويتوقع أن تستثمر الولايات المتحدة هذا النفوذ مبدئيًا، للجم إيران وقطع الطريق البري الرابط بين بغداد ودمشق، وتتحدث بعض وسائل الإعلام عن تجهيزات عسكرية في الجنوب السوري؛ لتنفيذ هذا الغرض الذي سيكون -إن تحقق- الإشارةَ الأولى إلى المشروع الأميركي في سورية، وقد دعا ترامب إلى اجتماع عاجل في الأردن، لمّا تتضح خلفياته الحقيقية وأهدافه بعد.

تثير هذه الأخبار مخاوف النظام والروس معًا، وبدا ذلك واضحًا في تصريح رئيس الأركان الروسية فاليري غيراسيموف الذي قال: تدل المعلومات المتوفرة لدينا على أن الولايات المتحدة تخطط، بعد هذا الاستفزاز، لاتهام القوات الحكومية باستخدام الأسلحة الكيميائية”. وقد تكررت مؤخرًا على لسان أكثر من مسؤول أميركي نية عمل عسكري، ناهيك عن تهديد فرنسا وبريطانيا للنظام، بعمل عسكري، أيضًا.

وفي المرحلة الثانية، لن يحصل صدام مع الروس، حتى لو تعرض الجنود الروس للخطر، إنما تفاهمات حول السلطة المستقبلية في سورية، ولا سيّما أن الأرضية مهيأة لذلك، وسيكون للولايات المتحدة هامش المناورة أكثر من الروس الذين وصلوا إلى عنق الزجاجة، فقد أعلن بوتين النصر ثلاث مرات في سورية، لكنه بمجرد النظر تحت قدميه؛ يكتشف أنه يغوص في المستنقع السوري، من دون أن يحقق شيئًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق