أدب وفنون

عن التكنولوجيا وزوجتي

 

مع أن زوجتي لم تكن من عشاق فكر المقاومة والممانعة، على الرغم من انتشاره في الشارع السوري واللبناني والإيراني، وبعض زواريب المدن العربية، فإن بإمكاني تصنيفها من المقاومات العنيدات والممانعات، على مدى سنوات، لفكرة اقتناء هاتف محمول في جيبها، أو محفظتها اليدوية، فهي تكره دخول التكنولوجيا في كل جزئيات الحياة اليومية للإنسان، وهي محقة في ذلك، وكنت شخصيًا من المشجعين اللئيمين لها على المثابرة في عنادها، “وكبر الراس”، كي يتاح لي الهرب منها، رغم محبتي الشديدة لها، وعدم قدرتي على الشخير إلا بقربها، ولكن حدث أن ابني الكبير أراد أن يقدم هدية لوالدته، بمناسبة عيد ميلادها الثامن عشر، (فهي ككل النساء اللواتي لا يكبرن في العمر(، فاشترى لها هاتفًا محمولًا مع خدمة إنترنت دائمة، دون استشارتها، وعندما حاولت الاحتجاج على نوعية الهدية، قال لها: الآن تستطيعين مراقبة كل ما يكتبه أبي للصبايا على (فيسبوك)، فقَبلتْ الهدية، وصمتتْ عن الكلام المباح، لكنها عادت واستدركت نفسها قائلة لابنها: ومَن تهتم بهذا “الختيار” حتى أغار منها؟!

البارحة مساء، وهي عائدة من عملها -الله يعطيها العافية- عرّجَت على مخزن للمأكولات كي ترمم الطعام الموجود في براد البيت، فهي وفية وملتزمة بما قطعته من عهد على نفسها؛ بأن طعام البيت سيكون من مسؤوليتها، وحصتي هي دفع آجار البيت. وبدأت الشراء إلى أن اكتشفت استحالة أن تحمل كل ذلك، فاتصلت بابنها كي يحضر لنقلها مع الأغراض بسيارته، وهذا ما حصل، وبعد أن وضعت كل غرض في مكانه الصحيح في البراد، واطمأن قلبها على غذاء أولادها؛ تجلى التطور التكنولوجي المهم في اتصالها بي، لتخبرني بأهمية الهاتف المحمول، مستغربة في الوقت نفسه كيف سمحت لنفسها، رغم يقظتها ومعرفتها لي على مدى عمر زواجنا الذي نغص حياتها 35 عامًا، بأن “تنغش” بكلامي وتصدقه، بالبقاء بعيدة عن هذه الإبداعات الإنسانية الحضارية التي هدفها هو تحسين حياة الإنسان، وتخفيف تحكم الزوج بزوجته عبر إهمالها، ثم تابعت قائلة: وأنا في طريق العودة من العمل في الباص، فتحت (فيسبوك)، لأتابع ما تكتبه حضرتك، فوجدت مقالًا جميلًا لشخص اسمه عزيز تبسي، هو حلبي، مثلي على ما أظن، فقد سمعتك تتكلم عنه مع أحد أصدقائك، “مو هيك”؟

قلت لها: نعم يا سيدتي هو حلبي، وكل مقالات هذا الأديب جميلة فعلًا، ولكن ألم تشككي برأيي، فربما كنت أغش صديقي وأغشك معه، كما فعلت طيلة حياتنا الزوجية؟ وعندي سؤال آخر، أتمنى أن تجيبيني عنه بشفافية: هل فتحتِ الهاتف في الباص لاستخدامه كمرآة لتصفيف شعرك، أم من أجل التقاط “سيلفي” لنفسك؟ وهل كنتِ أثناء محاولتك قراءة صفحات (فيسبوك) من هاتفك، وأنت في الباص، تفكرين في المقالات، أم في “شوفة الحال” أمام الآخرين والأخريات، وأنت تعرضين الهاتف بين يديك، وتتظاهرين بالقراءة؟ قولي الحقيقة ولا تخافي، فأنا أعرف أنك جريئة، ولا تخافين لومة لائم في قول الحق، مثل أغلب معارضينا تمامًا!

قالت لي بحنيّة ونعومة مدهشتين، لدرجة أني ظننت لثوانٍ أنها تريد مغازلتي: “أنتم الرجال قليلو ذوق، ومدّعو تحرر، و(ما بتنعطو وش بنوب)، أنا مستغربة فعلًا! كيف عندك كل هؤلاء الأصدقاء على (فيسبوك)”؟

صمتّ، وحمدتُ الله على نعمة البعد عنها، ككل الأزواج الذين يعشقون زوجاتهم، فقد كنت، وأنا أكملها، ما أزال في” المقهى الكندي المكيف”، أكتب عن تحرر النساء والثورة!!

مقالات ذات صلة

إغلاق