ترجمات

أميركا وتركيا بحاجة إلى التراجع عن حافة الهاوية

تلعب واشنطن وأنقرة لعبة الدجاج (المواجهة الخطيرة) في سورية.

الرئيس ترامب يرحب بالرئيس أردوغان في البيت الأبيض، 16 أيار/ مايو 2016 (أليكس وونغ/ صور جيتي)

تُعدُّ سورية اليوم أحد أخطر الأماكن في العالم. فالولايات المتحدة، وروسيا، وتركيا، وإيران، و”إسرائيل”، والنظام السوري، و”الجيش السوري الحر”، و”قوات سورية الديمقراطية”، و”حزب الله”، والجماعات المتطرفة من مختلف المشارب، هؤلاء هم من اللاعبين الذين تتنافس قواتهم العسكرية في ساحة المعركة.

مع استمرار ذبح المدنيين، يلوح خطر كبير ومحدد على وجه الخصوص: الولايات المتحدة وتركيا في مسار تصادمي في شمال سورية، والقوات الأميركية متحالفة مع فصيل من أكراد سورية: “وحدات حماية الشعب”، التي شنّت تركيا ضدها هجومًا عسكريًا مؤخرًا. يمكن للقوات الأميركية والتركية أن تتصادم في أرض المعركة في سورية؛ ما يؤلب عضوين في (الناتو) ضد بعضهما البعض، ويدفع العلاقة بينهما إلى نقطة الانهيار.

تحتاج واشنطن وأنقرة إلى التراجع عن حافة الهاوية، قبل أن يفوت الأوان. فالولايات المتحدة وتركيا ما تزالان بحاجة إلى بعضهما البعض، للمساعدة في استقرار الشرق الأوسط الذي يعيش في حالةٍ من الاضطراب. مع تعرض الديمقراطية التركية بالفعل للخطر، بسبب الدور الاستبدادي للرئيس رجب طيب أردوغان؛ فإن الانهيار مع الولايات المتحدة قد يدفعه على الأرجح إلى تشديد قبضته، وربما إنهاء الانحياز التركي الجيوسياسي إلى الغرب، معرضًا كلًا من تركيا وحلف الأطلسي لضربةٍ قاصمة.

في الحقيقة، تواجه الولايات المتحدة وتركيا صراعَ مصالحٍ لا مفرَّ منه في سورية. وواشنطن على حق في الوقوف إلى جانب شراكتها العسكرية مع “وحدات حماية الشعب” الكردية، وهي الميليشيا الكردية التي اعتمدت عليها لقيادة الهجوم ضد (تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش) وطردها من الرقة. ببساطة، لا تمتلك الميليشيات البديلة الوسائل العسكرية اللازمة للقيام بهذه المهمة. وفي الوقت نفسه، هناك مبررٌ تام لأنقرة في كونها قلقةً إلى حدٍّ بعيد من الدعم الأميركي لـ “وحدات حماية الشعب”، بسبب ارتباطها بحزب العمال الكردستاني، وهو الجماعة الكردية التي تشنُّ حملة إرهابية انفصالية ضد تركيا، منذ فترة طويلة.

الآن بعد أن هرب (تنظيم الدولة الإسلامية/ داعش)، ينبغي على الولايات المتحدة وتركيا العمل بجدٍّ لإصلاح العلاقة المتدهورة، لكنهم لا يفعلون سوى أنهم يزيدون الأمور سوءًا. الولايات المتحدة تتصلب أكثر بعلاقتها مع “وحدات حماية الشعب”، وتعتبر الشراكة بمثابة وسيلة للحفاظ على النفوذ الأميركي، في سورية ما بعد الحرب. أنقرة، مع شعورها بالخيانة من جانب واشنطن، تمضي قدمًا في حملتها العسكرية ضد “وحدات حماية الشعب” الكردية، في منطقة عفرين الكردية، وتهدد بالتوجه إلى منبج، وهي بلدة تقع إلى شرق عفرين، وتتواجد فيها بكثافة كل من “قوات حماية الشعب” الكردية والقوات الأميركية. لقد أبعد الهجوم التركي بالفعل “وحدات حماية الشعب” الكردية عن المراحل النهائية من القتال ضد تنظيم (داعش).

تحتاج الولايات المتحدة وتركيا على وجه السرعة إلى عكس مسارهما. مع قرب هزيمة تنظيم (داعش)، تستطيع واشنطن أن تبدأ بتقليص دعمها “وحدات حماية الشعب”، وبدلًا من ذلك تضع الأولويات التركية في المقدمة. الولايات المتحدة مترددة في التخلي عن الأكراد، قلقةً من أن يؤدي ذلك إلى تقويض قدرتها على الاعتماد عليهم، لمواجهة النفوذ الإيراني والروسي في سورية، لكن واشنطن تبالغ في تقدير قدرتها على النظر إلى الأكراد، لكبح النفوذ الإقليمي لطهران وموسكو. تستطيع الولايات المتحدة تحقيق هذه المهمة على أفضل وجه، من خلال الاستثمار في علاقتها مع تركيا، ومساعدة أنقرة في توسيع نفوذها في سورية.

بالتأكيد، لا تستطيع الولايات المتحدة الآن الابتعاد عن الأكراد السوريين، فقد كانوا حلفاء مخلصين، وتحملوا تضحياتٍ كبيرة في القتال ضد تنظيم (داعش)، ولكن كون الجماعة المتشددة على وشك الهزيمة، ينبغي على واشنطن أن تستعيد الأسلحة الثقيلة التي سلمتها إلى “وحدات حماية الشعب” للسيطرة على الرقة، وتضغط على الجماعة لسحب مقاتليها، وتسلّم السلطة السياسية إلى المجتمعات المحلية في المناطق غير الكردية التي انتزعت من تنظيم (داعش). في البدايات، تحتاج واشنطن إلى الوفاء بتعهدها المتكرر -وقد تم التأكيد عليه في الأسبوع الماضي- وهو تأمين انسحاب مقاتلي “وحدات حماية الشعب”، من منبج إلى الجانب الشرقي من الفرات. يجب على الولايات المتحدة أن توضح لأكراد سورية أنها ستساعدهم في تحقيق الاستقلال الذاتي الإقليمي الذي يسعون إليه فقط إذا تخلوا عن “حزب العمال الكردستاني”، وحملته الإرهابية ضد تركيا.

في المقابل، على أنقرة التراجع عن هجومها العسكري ضد “وحدات حماية الشعب” -الذي تورطت فيه بالفعل- والبدء بالاستثمار في علاقةٍ براغماتية مع أكراد سورية تبعدهم عن “حزب العمال الكردستاني”، وتهدف إلى جعلهم أصحاب مصلحةٍ مسؤولين في سورية ما بعد الحرب. من الناحية المثالية، يجب على أردوغان الاستفادة من رصيده الوطني لمواصلة التقارب مع المجتمع الكردي الأوسع، بما في ذلك “حزب العمال الكردستاني”. بوجود ما يقرب من 15 مليون كردي داخل تركيا، وملايين آخرين في شمال العراق وسورية، فإن استراتيجية المواجهة العسكرية ذات طريقٍ مسدود. لكن مع احتضان أردوغان للقومية ذات النزعة العسكرية، بينما ينظر إلى الانتخابات المقرر إجراؤها في العام المقبل، فإنه يفتقر إلى الرؤية لمفاوضاتٍ مستمرة مع “حزب العمال الكردستاني”، في المدى القريب.

لكن فتح حوارٍ مع أكراد سورية يقدّم لأردوغان فوزًا سياسيًا واستراتيجيًا، ويمكنه أن يبرهن على أنه يتمتع بقدراتٍ دبلوماسية لكي يواكب بريقه ووعيده، ويمكنه التراجع عن الفوضى الاستراتيجية التي اشتراها في سورية.

من خلال مهاجمة “وحدات حماية الشعب”، تدفع أنقرة المجموعة إلى أحضان “حزب العمال الكردستاني”. وعلى النقيض، فإن التواصل مع أكراد سورية سيبعدهم عن “حزب العمال الكردستاني”، ويستفيد من اهتمامهم الشديد بجذب الدعم الدولي والشرعية، في سعيهم لتعزيز مكانتهم في المشهد السياسي السوري بعد الحرب.

يحتاج أردوغان أيضًا إلى منطقةٍ عازلة مستقرة على الجانب السوري من الحدود التركية، وذلك لإبعاد التطرف والعنف اللذين من المحتمل أن يفتكان بسورية بعض الوقت في المستقبل، وتأمين مناطق آمنة، بحيث يمكن لتركيا إعادة اللاجئين السوريين إليها. مع سيطرة الأكراد على معظم شمال سورية؛ تحتاج أنقرة إلى كسب نيّاتهم الحسنة، لا إلى عدائهم.

تركيا بحاجة إلى احتضانها. أنقرة معزولة إلى حدٍّ بعيد. إنها مبعدة عن أوروبا والولايات المتحدة، وهي على خلاف مع روسيا وإيران ومعظم جيرانها. وفي الداخل، الديمقراطية التركية، وهي نموذجٌ للشرق الأوسط، تسير في الظلام. الغرب يخسر تركيا، والخطوة الأولى لتجنب هذه النتيجة هي أن تتفاهم واشنطن وأنقرة حول مستقبل أكراد سورية.

 

اسم المقالة الأصليAmerica and Turkey Need to Step Back From the Brink
الكاتب*تشارلز كبتشان، CHARLES KUPCHAN
مكان النشر وتاريخهفورين بوليسي، FP، 15/3

لا ستامبا، La Stampa

لوموند، Le Monde

رابط المقالةhttp://foreignpolicy.com/2018/03/15/america-and-turkey-need-to-step-back-from-the-brink/
عدد الكلمات920
ترجمةوحدة الترجمة والتعريب

 

أستاذ في جامعة جورج تاونK وكبير الباحثين في مجلس العلاقات الخارجية، عمل كمساعد خاص للرئيس لشؤون الأمن القومي من 2014 إلى 2017.

مقالات ذات صلة

إغلاق