ترجمات

صحيفة غازيتا: لماذا دعا ترامب بوتين لزيارة البيت الأبيض

أكد البيت الأبيض أن رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترامب بحث مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إمكانية اللقاء الذي يكمن أن يعقد في واشنطن. وفي الحقيقة، يرى الخبراء أن هذا اللقاء، إذا ما تمّ، سيعقد على الأرجح على أرضٍ محايدة، وستكون القضية الرئيسة والوحيدة التي ستناقش هي قضية الاستقرار الاستراتيجي.

وقد أكد الممثل الرسمي للبيت الأبيض للصحفيين أن الرئيسين بحثا، خلال مكالمتهما الهاتفية في 20 آذار/ مارس، إمكانية عقد اللقاء في “وقتٍ ليس بالبعيد”، ومن بين الأمكنة المحتملة لعقده كانت واشنطن.

رئيس مركز القضايا العالمية نيكولاي زلوبين يؤكد أن ترامب، على الغالب، لم يعط بعد لفريقه تعليمات بخصوص البدء بالتحضير لزيارة بوتين. يقول الخبير: “وما المناسبة ليطير بوتين، بهذه البساطة، إلى واشنطن. وقد اعتاد ترامب أن يدعو كل من يتحدث معهم بالهاتف من قادة العالم لزيارة البيت الأبيض. وهذا أسلوب أصيل لإظهار اللباقة: إذا مررتم بجوارنا، تفضلوا لزيارتنا”.

وسبق لمساعد القائد الروسي يوري أوشاكوف أن صرح بأن الحديث بين الزعيمين تطرق إلى إمكانية عقد لقاءٍ ثنائي في البيت الأبيض: “إذا سار كل شيءٍ على ما يرام، آمل أن الأميركيين لن يتراجعوا عن مقترحهم بمناقشة إمكانية اللقاء. عندما تحدث رئيسانا بالهاتف، اقترح ترامب عقد اللقاء الأول في واشنطن، في البيت الأبيض”.

يعتبر كبير خبراء معهد بروكينغس، وسابقًا نائب وزير خارجية الولايات المتحدة زمن إدارة بيلي كلينتون، ستيفن بايفر، أن اللقاء بين الرجلين “يمكن أن يكون مفيدًا، إذا جرى الإعداد للقمة بشكلٍ جيد”. وبرأي الخبير، ينبغي على الرئيس الأميركي أن يكون مستعدًا للدخول في نقاشٍ قاسٍ مع الرئيس الروسي، حول الوضع في أوكرانيا وبشأن “قضية العميل سكريبال”. وفي حديثٍ لصحيفة (غازيتا) يشير بايفر إلى أن ترامب “ينتقد مرغمًا تصرفات بوتين أو الكرملين/ وأنه انطلاقًا من الحسابات الكبيرة، لا يولي الكثير من الوقت للتحضير لهذه اللقاء. في هذه الظروف، من الصعب التنبؤ بما يمكن أن يحدث”.

الإشارة إلى البيت الأبيض كمكانٍ محتمل لعقد اللقاء تعني أن بوتين قد يقوم بزيارة الولايات المتحدة الأميركية. وكانت آخر مرةٍ حل فيها بوتين ضيفًا على الرئيس الأميركي، قد حدثت قبل 11 عامًا، وتحديدًا عام 2007 في عهد جورج بوش الابن. وعلى الرغم من أن علاقة الرئيسين كانت وديةً، فإن العلاقات بين البلدين كانت في غاية التوتر، على ضوء نتائج الحرب على العراق، التي عارضتها روسيا بشدة وقتها.

عدا ذلك، كان بوتين حينئذ يميل إلى الحوار مع واشنطن، وأكد أن أساس الحوار يمكن أن يكون التعاون في مجال الأمن الاستراتيجي. في ذلك الحين، كانت وسائل الإعلام الأميركية تنتقد بوتين، ولكن لم تصل بها الأمور إلى درجة الشيطنة السائدة الآن. ومن وجهة نظر الحسابات الكبرى، لم يكن لديها ما تدعيه ضده، فلم تكن روسيا تشارك في النزاعات الدولية، في حين كان بوتين يوحي أنه لا ينوي الترشح لانتخابات 2008 الرئاسية.

التقى ترامب وبوتين مرتين في عام 2017. جرى اللقاء الأولى على هامش قمة “العشرين الكبار” في ألمانيا، والثاني أثناء قمة دول التعاون لدول آسيا والمحيط الهادئ في فيتنام. وكان اللقاء الثاني قصيرًا لدرجةٍ لا يمكن معها اعتباره لقاءً كاملًا.

أما إذا كان المقصود لقاءً جادًا متكاملًا بمشاركة وزراء من الدولتين، لا بوزيري الخارجية فحسب؛ فإن التحضيرات له تجري منذ عدة أشهر. وإذا ما تمت زيارة بوتين للولايات المتحدة الأميركية؛ فستكون الأولى خلال 8 سنوات، عام 2010 حل ديمتري مدفيديف ضيفًا على الرئيس باراك أوباما.

لم يحدد مساعد الرئيس الروسي، يوري أوشاكوف زمنًا محددًا للقاء المحتمل، لكنه أوحى بأنه قد يعقد في النصف الثاني من العام آخر الخريف، وقبل استعدادات الولايات المتحدة لأعياد الميلاد. وإذا لم يتم الاتفاق على الزيارة؛ فمن المرجح أن تجري مباحثاتٌ في الأرجنتين خلال شهر تشرين الثاني، حيث سيشارك الرئيسان في قمة الدول “العشرين الكبار”.

“سكريبال” دانيلوف

عندما نتحدث اليوم عن مقدار صعوبة لقاء القمة بين الرئيسين؛ فإننا نأخذ بعين الاعتبار أن الخبراء يصفون مستوى العلاقات الروسية الأميركية، بأنه قريبٌ من مستوى “الحرب الباردة”. فأصوات الدعوات إلى هذه الحرب تتعالى من جانبي المحيط كل يومٍ تقريبًا. وقد أصبحت قضية طرد الولايات المتحدة الأميركية، على خلفية “قضية سكريبال” لـ 60 دبلوماسيًا روسيًا، وخطوة الكرملين الجوابية بإغلاق القنصلية الأميركية في سانت بيرسبورغ، وطرد العدد نفسه من الدبلوماسيين الأميركيين، بمثابة “حبة كرزٍ تزين قالب الحلوى”.

وللحقيقة نقول إن مثل هذه الحوادث في تاريخ العلاقات السوفيتية الأميركية قد وقعت في السابق أيضًا. ففي أيلول/ سبتمبر 1986، قبيل القمة التاريخية في ريكيافيك (أيسلندا) بين زعيم الاتحاد السوفيتي ميخائيل غورباتشوف والرئيس الأميركي رونالد ريغان، قامت السلطات الروسية باعتقال الصحفي الأميركي ذي الأصول الروسية نيكولاي دانيلوف، الذي اشتبهت (كي. جي. بي) بممارسته أنشطة تجسس، الأمر الذي لم يتأكد لاحقًا.

ومع أن دانيلوف قد أطلق سراحه بسرعة، قامت السلطات الأميركية بطرد 100 دبلوماسي روسي، اشتبهت واشنطن بقيام غالبيتهم بنشاطٍ تجسسي. وقتئذ، أحجم الاتحاد السوفيتي عن اتخاذ خطواتٍ للمعاملة بالمثل، واكتفى بطرد 10 دبلوماسيين، واستدعى في الوقت نفسه 220 من العاملين السوفييت المتعاقدين للعمل في السفارة الأميركية في موسكو.

ما زال الوقت مبكرًا للحديث عن إمكانية وقوع أحداث ما، قد تؤثر على اللقاء المرتقب أو تؤجله. وفي الوقت ذاته، قد تتبدد الأجواء السلبية الناجمة على خلفية قضية تسميم العميل السابق سيرغي سكريبال، إذا لم تقدم التحقيقات إثباتاتٍ جدية عن تورط موسكو. وفي الوقت نفسه، إذا بقي وضع بوتين قويًا داخل روسيا كسياسي؛ فإن عوامل كثيرة ستؤثر في وضع الرئيس الأميركي، كالتحقيقات التي يجريها المحقق الخاص روبرت ميوللر بخصوص “الأثر الروسي” في الانتخابات الرئاسية الأميركية، وكذلك الانتخابات الجزئية لعضوية الكونغرس التي ستجري الخريف المقبل.

سلام، ولكن عبر القوة

لم يحدد بدقة جدول أعمال القمة المتوقعة بعد، ولكن ترامب، عبر إحدى تغريداته الأخيرة، حدد طيفًا من القضايا التي يعتزم مناقشتها مع بوتين. وتشمل هذه القضايا كوريا الشمالية، سورية وأوكرانيا، الحرب على إرهاب “تنظيم الدولة الإسلامية”، وحتى “سباق التسلح”. من جانبٍ آخر، لم ينسَ ترامب الحديث عمن سبقه من رؤساء، الذين لم يستطيعوا إيجاد لغةٍ مشتركة مع روسيا.

في تعليقه على استراتيجية الولايات المتحدة الأميركية العسكرية الجديدة، التي صنفت روسيا والصين كدولٍ “رجعية”، تهدد الولايات المتحدة، إذ يقترح ترامب “السلام عبر القوة”، كأسلوبٍ في العلاقة مع روسيا. ومن المعروف أن الرئيس السابق ريغان كان يكرر هذه العبارة، كما أن مستشار ترامب السابق هربرت ماكماستر الذي غادر منصبه مؤخرًا، كان يستخدمها أيضًا.

تنظر الأوساط المقربة إلى الكرملين باحترامٍ إلى هذه المقاربة: موسكو كانت على استعدادٍ دائم للحديث مع واشنطن بأسلوب “السلم عبر القوة”، الأمر الذي أظهرته رسالة بوتين الأخيرة خلال الاجتماع الفيدرالي، الذي تحدث فيه عن صواريخ جديدة، قادرة على تجاوز كل أنظمة الدفاع الجوي المضادة.

خلف خطاب العسكرة الخارجي تظهر الرغبة في دعوة الولايات المتحدة الأميركية إلى الحوار، لأن الصواريخ الروسية تقلق البيت الأبيض بالفعل. وفي هذا الصدد، قال الرئيس السابق للمجلس الروسي أندريه كوكوشكين لصحيفة (غازيتا): “في الولايات المتحدة الأميركية غالبًا ما يتذكرون أن روسيا الدولة الوحيدة في العالم التي تستطيع إبادة أميركا خلال 30 دقيقة فقط. وتظهر بشكلٍ متزايدٍ أبحاث جادة تقول إن الاهتمام الأكبر للدولتين يجب أن يكون العمل على تجنب كارثة حربٍ نووية. وهنا لا يجب انتظار نتائج سريعة، ولكن توجد حاجةٌ ماسة إلى النظر بصورةٍ عملية في ثلاث، أربع مسائل مرتبطة بتعزيز الاستقرار الاستراتيجي”.

وقد يكون اختيار جون بولتون مستشارًا للأمن القومي، قد جاء للقيام بهذه المفاوضات بالتحديد. وجون بولتون، الذي يقال إنه “صقرٌ بين الصقور”، والذي هدد بالحرب على إيران، هو في الوقت نفسه مفاوضٌ مجرب، يعرف جيدًا المسألة النووية وله علاقاتٌ جيدة في موسكو. كما يمكن أن يلعب السفير الروسي لدى واشنطن أناتولي أنطونوف دورًا مهمًا في التحضير لمفاوضات كهذي، كونه اختصاصيًا في هذا المجال.

مساعد الرئيس السوفيتي السابق ميخائيل غورباتشوف، بافل بالاجتشينكو الذي شارك في الكثير من المفاوضات على أعلى المستويات، يتفق مع الرأي القائل إن “الاستقرار الاستراتيجي والحد من سباق التسلح هو المجال الوحيد، حيث يمكن إجراء نقاشٍ موضوعي إلى حد ما”. ويضيف السياسي السابق أن “من الأفضل أن يعقد اللقاء على أرضٍ محايدة، لأنه سيكون قمةً ضيقة التركيز”.

يوافق ماثيو بيرويز، كبير Atlantic Council خبراء على وجهة النظر هذه، ويعتبر أنه على الرغم من دعوة ترامب، فإنه سيكون من الصعب عليه استقبال بوتين في واشنطن. ويقترح الخبير أن يعقد اللقاء بعد لقاء ترامب مع الرئيس الكوري الشمالي كين جين إين. ويؤكد الخبير: “بعد لقاء كيم سيكون من الطبيعي أن يلتقي ترامب مع الدول الضامنة في القضية الكورية”.

بالإضافة إلى الولايات المتحدة وروسيا، تشارك الصين وكوريا الشمالية واليابان في المباحثات حول كوريا، ولهذا لن يكون مستبعدًا أن تحاول قيادة كوريا الشمالية الحصول على دعم جميع هذه الدول قبل المباحثات مع أميركا.

إذا ما أحرزت القمة مع كوريا نجاحًا؛ فإن المفاوضات اللاحقة مع روسيا لتعزيز الاستقرار الاستراتيجي ستكون ملحةً للغاية، على سبيل المثال، في حال حدوث توتر ما في العلاقة مع طهران. أما في حال ذهاب الولايات المتحدة في طريق إلغاء الاتفاق النووي، وقيامها بتوجيه ضربةٍ إلى إيران، سواء بنفسها مباشرةً أو بواسطة أيادٍ أُخرى؛ فإن علينا نسيان الحديث عن مفاوضاتٍ وسيكون علينا انتظار “تغيير جديد لمسار الطائرة” فوق الأطلسي، وقد لا يطول الانتظار.

كلمات دالة:

فلاديمير بوتين، دونالد ترامب، يوري فكتوريفيتس أوشاكوف، جورج بوش الابن، التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ، ميخائيل غورباتشوف، باراك أوباما، دمتري مدفيديف، الدولة الإسلامية

 

اسم المقالة الأصليةЗачем Трамп пригласил Путина в Белый дом
كاتب المقالةالكسندر براتيرسكي
مكان وتاريخ النشرصحيفة غازيتا. 03.آذار 2018
رابط المقالةhttps://www.gazeta.ru/politics/2018/04/03_a_11704340.shtml

 

ترجمة سمير رمان

 

مقالات ذات صلة

إغلاق