أدب وفنون

طريق النحل

تتشابه القصص في هذه القرية الوادعة، وأحيانًا تتطابق. مَن يسمع القصّة أكثر من مرّة؟

عدتُ يومها باكرًا من المدرسة، ولم أكن أحملُ مفاتيح البيت معي، درتُ حول الكوخ، وكان الشبّاك الغربيّ هو الوحيد القابل للاقتحام من الخارج، ربّما لأنّه يطلُّ على منطقة أثريّة صارت بيتًا لقطيع الماعز والأغنام.

عالجتهُ حتى انفتح وأنا أهمُّ بالقفز منه إلى الداخل، داهمني سرب نحل، خرج دفعة واحدة من ثقب ما في خشب الكوخ. غطّيت وجهي بيديّ بحركة عفويّة وكأنني أغامر ببقية جسدي، وهكذا كان؛ تخلّصت من النحل العنيد بصعوبة، وقد لسعتني واحدة في ذراعي اليمنى.

كنت أحكي القصة لكلّ من أجالسه في القرية، كاشفة عن ذراعي كدليل دامغ على مؤامرة النحل. يهزّ رأسه ويتمتم: الحمد لله سليمة!

بعد عام، حينما لدغتني عقرب شقراء، ونحن نسهر في ساحة بيت عمي، قلتُ جاء الفرج! ستكون قصّة ممتعة يتعاطف معها الجميع. كانت العقرب تتمشّى على طرف السقف وسقطت على رأسي، بحركة عفويّة -أيضًا- أزحتها بيدي، وقد ظننتها ورقة شجر، ولكنّ اللعينة لدغتني من ظاهر يدي. لم أنم ليلتها؛ ما دفع أبي إلى أن يُسكت وجعي بحبة منوّم من الحبوب التي يداوم عليها، وتضمن له نومًا كالأموات.

كالعادة، كانوا يهزّون رؤوسهم ويتمتمون: الحمد لله سليمة.

خيبة القصّ والقصة رافقتني لسنوات مراهقتي، صرتُ أخترعُ أمورًا وأحيك حولها قصصًا وهميّة، أختبر بها السامعين، لم أحظَ ولو مرّة واحدة بأكثر من هزّة رأس خفيفة، وأحيانًا تتبعها تمتمة غير واضحة.

كبرتُ، وتركت القصص تنسج نفسها في رأسي ولا أترك لها منفذًا. صرتُ أعي أكثر معنى الخيبة والغصّة في الحلق، حينما يتجاهل الآخر قصّتك ولا يسأل عن أيّ تفصيل فيها.

قصّة واحدة، بتفاصيل لم أرتبها بعد، ضاقت برأسي وخرجت ذات ليلة.

كيف عرفت؟

كانت تنبتُ أذن ثالثة في رأس كلّ من أقول له: صباح الخير.

وبلسان واحد يسألون جميعًا: ها! وماذا حدث بعد ذلك؟

مقالات ذات صلة

إغلاق