تحقيقات وتقارير سياسية

دروس من واقع المذبحة

 

منذ زمن بعيد، تحدث تيودور هرتزل، عن مطاردة “وحوش الغابة” أي “العرب سكان المنطقة”، بالأسلحة الحديثة لا بالسهام، أي بأحدث أدوات القتل والتدمير المتوفرة، ولم يبق هذا الكلام حبيس المؤسسة الصهيونية بشكل نظري، فقد تُرجم بعشرات المذابح.

نعيد حديث هرتزل، لما فيه من واقع نظري وعملي، يُمارسه على السوريين نظامُ الأسد وزمرته، وقد تجسد في عشرات القرى التي سوّيت بالأرض، والمدن التي دكّت بملايين الحمم والقذائف المتطورة بعقل روسي وإيراني، لتستخدم قنابل غاز السارين والخردل والكلور، وتُطور “البرميل المتفجر” الذي بات “فخر” ما أنتجه عقل الإجرام الأسدي، لملاحقة السوريين سكان وأهل سورية المتمردين عليه.

من هنا، مذبحة السارين في دوما، وبطلها للمرة الثانية، يقدّمان درسًا تاريخيًا لا للسوريين وحدهم، بل للعرب وللمجتمع الدولي المنافق، لأنها ليست واقعة منفردة، إنما هي جزء من جريمة متكاملة، تتكرر باستمرار، وسوف تبقى تتكرر حتى ينال السوريون مبتغاهم بإسقاط الطاغية ومحاكمته، على الرغم من خذلان العالم أجمع لقضيتهم والتنكر لمأساتهم.

قد تكون الثورة السورية مدرسة قاسية، استفاد منها السوريون عمومًا، ولا سيما من دروس المذابح ومجازر النظام وحلفائه، بأن ردهم عليها لن يقبل دون استمرار الثورة التي تضاف إليها أسباب أكثر جذرية، في درسها التاريخي المتصاعد، وإثبات أن الشعب السوري، وهو يعيش أقسى ظروفه، سيكون قويًا في تخلصه من أوهام المجتمع الدولي ومساندته، وهو ما يجب أن تفعله وتقدم عليه قوى المعارضة السورية.

ليس في وسع المتابع لما يجري من تطورات ميدانية وعسكرية وسياسية، على الساحة السورية، إلا أن يسجل حقيقة دامغة ومريرة: بعد مرور سبعة أعوام من الموت والدمار، والاعتقال والحصار والمجازر المتنوعة السلاح؛ ما يزال العالم غارقًا في غيبوبة أخلاقية وإنسانية، تمنعه من الصحوة، بالرغم من الجثث المتراكم بعضها فوق بعضه، التي قضت بفعل غازات الأسد السامة، أو المدفونة تحت ركام المنازل، أو المرمية في أقبية التعذيب، وتلك التي تم شيّها بعيدًا من عدسات السوريين، كي نقرأ دروسَ استراتيجية السفاح التي أدخلها على أجساد الأطفال والنساء.

ما يزال المجتمع الدولي المنافق دون مستوى إدراك خطورة ما يمثله سفاح السوريين على مستقبل سورية والمنطقة والإقليم، وعلى وجود واستمرار النظام الرسمي العربي الذي اهترأ مع جرائم الأسد، وإذا لم يتمّ استيعاب دروس التدليس والنفاق التي يُكافأ فيها الطاغية بعد كل جريمة؛ فسيظلّ المجرم يرفع “إصبعه” في وجه العالم، ويسقط جثثًا أخرى.

هل نقول إن دروس الغيبوبة العربية والدولية هي من باب سياسة اللامبالاة؟ ليت الأمر كذلك. لو كان كذلك لاكتفى النظام الدولي والعربي بتنظيم انسحابه من مقتلة الشعب السوري، أو توقف عند تحديد حدود الفشل والعجز المزمن والبنيوي الذي أصاب كل بنى المنظمات الدولية. المشكلة هنا أن معظم الدفاعات الذاتية للنظام الدولي والعربي ذهبت فوهاتها إلى جانب السفاح، من خلال تهيئة المناخ الذي عطل فاعلية الثورة ونال من نتائجها، وهنا تندرج طوعًا العوامل النابذة التي لعبت دورًا ضد تأمين سيرورة جذوة الثورة السورية، والتحقت بركب الثورة المضادة.

الغريب أن المجتمع الدولي معظمه، ومن خلفه النظام العربي، مارس فعلًا سلبيًا نحو السوريين المكلومين، بموازاة سياسة مهادنة وتبخير للسفاح، وأجاد “مناصرة” مباشرة وغير مباشرة له، كشفت عن طبيعة الخطاب والدروس المستقاة التي أدمنت النفاق والسلبية والعار الذي لا يمكن محوه.

كيف يمكن إذًا للسوريين أن يفهموا “منطق” دروس مذابح وحش السوريين، بهذه السياسة التي تتبنى قضايا إنسانية وسياسية، وهي تتخلى عن شعب تعرّض لمذابح وينتظر أخرى، طالما بقي السفاح شاهرًا جرائمه في وجه العالم أجمع؟!

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق