كلمة جيرون

كلمات سبارتاكوس الأخيرة

ما حلم به سبارتاكوس (111- 71 ق. م.) تحقق بعد عشرين قرنًا تقريبًا. ذلك العبد الذي حرر مئة ألف عبد، كان يصارع الوحوش في حلبات روما، لتسلية السادة الرومان. ولأنه كان يحلم بالحرية والكرامة، ثار سنة 73 ق. م، لكنه، بعد سنتين من القتال، هُزم على يد ماركوس كراسوس سنة 71 ق. م، ويقال إن ماركوس المنتصر أقام الصلبان، له ولآلاف المجالدين من رفاقه الذين بقوا على قيد الحياة، على طــــول الطريق بين روما وكابوا؛ ليكونوا عبرة لأمثالهم من العبيد.. وقد كتب عنه الشاعر المصري أمل دنقل قصيدة، سمّاها “كلمات سبارتاكوس الأخيرة” يقول فيها:

معلّق أنا على مشانق الصباح

وجبهتي بالموت محنيّه

لأنّني لم أحْنِها.. حيّه!

كذلك كانت أحلام قائد ثورة الزنج علي بن محمد، وحمدان القرمطي، ودانتون ولينين وغيفارا وعبد الخالق محجوب وغياث مطر وباسل شحاذة، وغيرهم الآلاف من الحالمين بالحرية… ومع أن الفرق قد يكون كبيرًا بين المعارض والثائر، فإن كلاهما حالم بالتغيير ومعرض للمطاردة والاعتقال والموت.

يسألك البعض ساخرًا: أما زلت معارضًا للنظام!! أو: أما زلت تتعاطى المعارضة!؟ كما لو أن المعارضة سيجارة حشيش أو نبتة طرخوم، وليست مسؤولية تاريخية!!

هذا السؤال –بحد ذاته- يعتبر اعتداء خبيثًا على الحياة، أو أنه يشي بالتهكم والاستخفاف بك وبها! لكنه دارج جدًا في هذا الزمن الأصفر، مثل مقولة “التعفيش” أو “العودة إلى حضن الوطن” أو “منحبك”! ولا تستغرب إن سألك هذا السؤال معارض مثلك، بدّل قِناعَه سبعين مرة في سنواتنا العجاف، سواء أكان يعيش بلا سقف، أم أنه ما زال يرزح تحت “سقف الوطن”!

لا أنفي أن كلمة (معارضة) في قواميسنا، تتحمل السخرية والاستخفاف، ليس في ظل الاستبداد وسطوة العبودية فقط، بل في ظل المعارضة أيضًا، فهي مفهوم مطاطي زئبقي، وحمّال أوجه وتوريات! لذلك، يستطيع البعض أن يبدل جلد وجهه، أكثر من مرة في العمر، مع أن المعارض الحقيقي يحتاج -عادة- إلى أكثر من عمر، وربما أكثر من قرن، كي يحقق حلمه في التغيير.

لقد كان إبليس أول معارض في التاريخ، فهو أول من رفض السجود لآدم، وقال لسيد الخلق: لا. فهل يعقل أن يسمح الإله الأزلي المنزّه عن الخطأ، بوجود معارضة له، ويمنع ذلك ابن آدم المخلوق، الزائل، المجبول من التراب، على الخطيئة والندم!؟

من منا لا يعرف أن المعارضة أو الصراع قانون من قوانين الطبيعة، وهي أقنوم من أقانيم الجدل العلمي والتطور، موجودة في العلم وفي السياسة والثقافة والفن.. وحتى في حياتنا الشخصية، حيث يقف لنا الضمير الحي بالمرصاد؟ ومن منا لا يعرف أن المعارضة ستبقى حاضرة وفاعلة في المجتمعات والأحزاب والنشاطات البشرية كلها، دون استثناء، طالما تعددت الأنفس والآراء والرؤى.

ثمة من يقول إن سلطة الاستبداد تصنع معارضة على هيئتها وأخلاقها (أخلاق الملوك) وهذا صحيح، لكنه ليس عيبًا فيها، بل في تلك السلطة. أليس من الأفضل –على أي حال- أن تكون معارضًا “فاشلًا”، على أن تكون عبدًا مطيعًا وناجحًا!؟ أليست حلمًا وسلوكًا وتوقًا للتجدد ومسؤولية إنسانية!؟ ألن يأتي ذلك اليوم الذي يجعلها متمكنة ومستقلة، وقادرة على إنتاج معارضة جديدة!؟

بالمناسبة، المعارضة -لغةً- تعني المُمانعة والرَفْض والثورة. ومن مرادفاتها: الإِبَاء، الاحتجاج، الاستنكار، الاستياء، الاعتراض، التَبَرُّم، الشَجْب، الشَكْوَى، عَدَم القبول، المُقاوَمَة، المُمَانَعَة، التَصَدّي، المُجَابَهَة، المُوَاجَهة، المُعَادَاة..

أما أضدادها فهي: التأييد، الاندحار، الخنوع، الانكسار، الانهزام، الخسْران، الامتثال، الانسجام، التَأْكِيد، التَأْيِيد، الخُضُوع، الدَعْم، الرضوخ، الرضى، القُبُول، المؤازَرَة، المُساعَدَة، ُالمسَانَدَة، المُعاونَة، المُوافَقَة، المُوالاة..

مقالات ذات صلة

إغلاق