تحقيقات وتقارير سياسية

السوريون يتأرجحون بين الكيمياوي والتهجير

بين ميت وشاهد على الموت، وبين مُهجّر وشاهد على التهجير، ينقسم السوريون اليوم، في أبشع محنة مرت بها البشرية منذ الحرب العالمية الثانية؛ إذ إن جرائم النظام السوري جعلت من جرائم الصهاينة مجرد حوادث قتل عابرة، لا تستحق الذكر.

في آخر حلقات مسلسل السلاح الكيمياوي، تخرج تظاهرة في وجه قوة الاستطلاع الأممية، لتمنعها من الوصول إلى موقع الجريمة، وبحضور الشرطة العسكرية الروسية، تجمعت مجموعة من “ضفادع” النظام، ممن والوه طوعًا أو قسرًا، بعد أن تم إخبارهم في اليوم السابق عن مكان وزمان مرور لجنة الاستطلاع الأممية، وبعد ذلك تتعرض اللجنة لإطلاق نار من مسلحي “جيش الإسلام” من الشمال السوري، فلا شك بأن رصاص (المجاهدين)، بفعل الإيمان، يصل إلى مسافات لا يُدركها العقل العادي، وربما هي طيور أبابيل من أطلق النار على اللجنة الأممية.

الأمر الذي يثير السخرية هو لمصلحة من قامت هذه الشرذمة من السوريين، بمنع اللجنة الأممية من القيام بعملها، ولماذا؟ هل من عاقل واحد يُصدّق أن هناك من يستطيع اليوم في دوما الخروج بتظاهرة خدمةً للمعارضة؟ والسؤال الآخر: لماذا يمعن النظام ومن خلفه روسيا بعرقلة وصول لجنة التفتيش الدولية، من خلال ممارسات صبيانية ومسرحيات لا تنطلي على أحد؟ أليس النظام السوري هو من طلب من منظمة حظر الأسلحة الكيمياوية أن ترسل فريق تحقيق دولي؟ لماذا طلب النظام السوري اللجنة، وعاد ليعرقل مهماتها؟

كيف استطاعت الشرطة العسكرية الروسية الوصول إلى مكان الجريمة في اليوم التالي لها، دون أن يُطلق (الإرهابيون) النار عليهم! وكيف استطاع روبرت فيسك الوصول بسهولة! وكذلك كيف تجوّل صحافي أميركي في المكان، وكتب تقريرًا صحفيًا ينفي فيه استخدام السلاح الكيمياوي! بل كيف وصل ذلك الصحفي إلى تلك النتيجة؟ أكان قلمه مجهزًا بأجهزة استشعار وفحص للموقع؟ أم انه استمع لشهود قد لقنهم النظام ما يجب عليهم قوله؟

كل ما سبق من أسئلة وتساؤلات، في مسلسل السلاح الكيمياوي، يؤكد -بما لا يدع مجالًا للشك- أن روسيا هي من استخدم السلاح الكيمياوي، وأن هذا السلاح -على الغالب- هو ليس غاز الكلور أو السارين، وإنما سلاح جديد جربته روسيا، ولا تريد للعالم أن يكتشف ماهيته، ولَم تستطع حتى الساعة إزالة آثاره من موقع الجريمة.

على الخط الآخر، من الجريمة المستمرة في منطقة المخيمات، من الواضح أن عملية الاستلام والتسليم، بين الفصيل الداعشي التابع للفرقة الرابعة وبين النظام، الرسمي السوري قد بدأت، والنتيجة واضحة منذ الآن، حيث لن يكون هناك تفاوض وانسحاب، فالمطلوب -إيرانيًا- هو تجريف منطقة المخيمات والحجر الأسود بالكامل، ومن بعد ذلك، سيتم إنشاء مجالس محلية تابعة لأحمد جبريل، لتقوم بدورها بتطبيق القانون رقم 10 للعام 2018، ثمّ يأتي دور شركات التطوير الإيرانية التي أعلنت قبل أيام عن نيتها توسيع وتطوير منطقة السيدة زينب، وهكذا تُصبح كامل المنطقة تحت سيطرة المحتل الإيراني بغطاء قانوني.

من المعلوم أن منطقة المخيمات هي من أكثر مناطق سورية إشكاليةً، في سندات الملكية التي تتوزع، بين طابو زراعي وبيع بـ (الحجة)، وهي عقود بين المواطنين لا قوة قانونية لها، وبين أبنية مخالفة، وبالتالي سيكون من شبه المستحيل على سكان المخيمات إثبات ملكيتهم، في حال بقي منهم أحد، واستطاع مراجعة دوائر النظام لتثبيت ملكيته.

الغريب في مسألة المخيمات هو هذا التواطؤ الرسمي من قِبل السلطة والمعارضة الفلسطينيتين، فلم نسمع صوت احتجاج واحد من طرف السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، ولم نشهد اعتراضًا من طرف منظمات الجهاد الإيرانية، مثل (حماس) و(الجهاد)، ليصبح قدَرُ من نجا من الموت في تل الزعتر أن يموت تحت أنقاض منزله في مخيمات دمشق، على مرأى ومسمع العالم كله.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق