أدب وفنون

خارطة طريق لإسطنبول

في ليلتي الأولى التي أمضيتها في غرفتي الإسطنبولية وحيدًا، وكنت أمنّي النفس بليل مختلف، تكرر قلقي ما بين نوم واستيقاظ، ولم يكن هذا الوضع جديدًا بالنسبة إلي؛ إذ إن كل مصاب بتضخم البروستات، عمومًا، يعرف أن العجوز “والتواليت” يقتربان من بعضهما جدًا في هذا العمر، ومن الصعب “فضّ” الشراكة بينهما، كما حصل عندما قرر بعض البريطانيين الخروج من الاتحاد الأوروبي، وفض الشراكة بينهم، لذلك قررت إنهاء نومي في السادسة صباحًا، والخروج لاكتشاف الحي الذي سأعيش فيه ثلاثة أشهر، وإذا كان من الصحيح القول إنني عرفت، في السنوات الماضية، القسم الفقير من “الشيشلي”، وهو اسم حيّنا، فإنني وجدت نفسي في قسمه الثري، محاطًا بأبنية شاهقة، وبشكل خاص بالفندق العالمي “جواهر” ، الذي أكاد ألمس جداره الخارجي لقربه مني. تسلحت بكاميرتي وخرجت، ففي العاشرة عندي أول مواعيدي السورية، في ساحة تقسيم، فقررت أن أضيع ثلاث ساعات، وهذا ما حصل، فقد استطعت في هذه الساعات بناء “خارطة طريق” للسوريين القادمين إلى إسطنبول، وأنا أعرج، لصرف أموالهم، والكلام عن الثورة، في أوقات الفراغ، كحالتي مثلًا.
اخترت “الزواريب”، فهي تقدم صورة أقرب إلى الحقيقة عن إسطنبول، ولما كانت الأبنية عالية، فقد كنت لا أرى إلا ما هو أمامي، كالبغل الذي يضعون له “نظارات” مستوردة، كي لا يخرج أثناء سيره عن ثلم الفلاحة المحدد، فلا يحيد يمينًا أو يسارًا. بعد ساعتين من التسكع، وكان “كعب آخيل” اليوناني -الذي كان سبب مقتله في مدينة طروادة الآسيوية- قد بدأ يؤلمني بشدة، وجدت نفسي في ساحة كبيرة، وأصبح بمقدوري رؤية الأفق المليء بالأبراج الإسمنتية العالية، فاصطدم نظري باسم “ترامب سانتر”، قررت في تلك اللحظة أن استخدمه كمركز انطلاق في “خارطة الطريق المزعومة” التي سأرسمها. وعلى الرغم من كل التقلبات التي شهدتها النظم السياسية التركية، لم تخرج عن “نظام السوق الحر”، وبقيتْ تابعًا أمينًا للولايات المتحدة، وعضوًا فاعلًا في حلف (الناتو)، وكل ما يُقال في الإعلام عن خلافات بين الدولتين هو نوع من “البروباغندا الإعلامية”. وما على الزائر السوري الذي قد يفقد بوصلته في إسطنبول، عندما يرى “برج ترامب”، إلا الاطمئنان إلى أنه في قلب إسطنبول، في “مجيدي كوي”، وأن الأموال التي حملها معه، سواء أكانت نتيجة “الثورات” أم الاتجار المشروع، لن تخرج من بين يدي “الإسلام السياسي” الحلال، الذي هو جزء من النظام الرأسمالي العالمي.
كنت سعيدًا بعثوري على محطة المترو (قطار الأنفاق)، الذي سينقلني إلى موعدي مع صديقي السوري، الذي يعمل مراسلًا، من تركيا، لإحدى الصحف الأميركية، وهو واحد من آلاف المراسلين، الذي ينقلون كل حركة وكل كلمة تقال أو تحدث، في المنطقة، إلى صحفهم. وهذه نقطة ثانية في خارطة الطريق التركية، فهي تشبه بيروت أيام زمان، قبل أن يحكمها “وكلاء الله” الحصريون، لذلك ليس على السوري، الذي يضيع، كما ضعت، إلا الاتصال بأحد الصحفيين، لإرشاده على أسلم الطرق التي يجب أن يسلكها في إسطنبول، للوصول إلى برّ الأمان. ووجود رجال الصحافة بكثرة، في أي مدينة، هو علامة على صحة المدينة “كوسموبوليتيا”. وهي سمة من سمات إسطنبول، حتى الآن.
بعد ساعات إضافية من السير الشاق، التقيت بصديقي الذي “برطلني” على الطريقة السورية، بدعوتي إلى إفطار في مطعم لبناني. كان الطعام شهيًا، ولكن كانت كلفته تقلقني، رغم أنني لست “الدافع”، وما قطع شهيتي، غير الثمن الباهظ، قول أحد العمال إنهم هنا بسبب “غزو اللاجئين” السوريين للبنان!
غير بعيد من المطعم اللبناني، قال صديقي الصحفي: انظر إلى هذا البناء القديم، إنه “مجلس المبعوثان” أو مجلس النواب بلغتنا العربية، سألته عن سبب التثنية المرفوعة في “المبعوثان” فقال: لا أعرف، ولكن أعرف أن عدد النواب كان 120 نائبًا، أربعون منهم مسيحيون، ومع أن السلطان عبد الحميد حاول تحقيق الشروط الغربية، في منح الأقليات بعض حقوقهم، فإن ذلك لم يجعل الغرب يتراجع عن خططه بشأن تفكيك الإمبراطورية العثمانية. وقد اتضح، كما حدث في الثورة السورية، أن الغرب غير حريص على نشر الديمقراطية، ولا على حقوق الأقليات، وإنما على مصالحه الخاصة، ولكننا نحن لبساطة تفكيرنا، تذابحنا طائفيًا أقليات وأكثريات، محققين ما يريده الغرب ونظام الأسد.
من علامات خارطة طريق إسطنبول –أيضًا- كلية “المعمار سنان”، أحد أهم المعماريين في التاريخ العالمي، والذي أنجز مئات القصور والمساجد والتكيات والحمامات، في الدولة العثمانية، أيام السلطان سليمان القانوني. وهناك من يود دائمًا النيل من القوي، كالقول مثلا: إن أصل سنان أرمني، لذلك هو مبدع، محاولين نزع الإبداع عن دولة الخلافة، ومتناسين أن المناخ العام هو الذي يتيح للمبدع أن يقدم ما عنده، لا أن نقبره، والأمثلة كثيرة في التاريخ، وخير مثال الآن، هي الإبداعات السورية في أماكن اللجوء.

كانت نهاية يومنا في حي الفاتح ذي الطابع الإسلامي، ربما أكثر من غيره، فقد وصل إلى مسامعنا أن نشاطًا سوريًا سيقام للتذكير بمذبحة الساعة بحمص، فقدرنا فورًا أن المكان سيكون في الفاتح، الذي هو من أهم سمات خارطة الطريق للسوري في إسطنبول. في هذا الحي يوجد كل المشايخ السوريين، وفيه قسم من الجمعيات الخيرية، وكذلك العيادات والمستوصفات التي تهتم بالسوريين، وكل أنواع المطاعم والمواد الغذائية، يرافق ذلك أبشع حالات الاستغلال للسوريين الفقراء من قبل السوريين والأتراك.
من العلامات الأخيرة لخارطة الطريق الإسطنبولية:
في نهاية اليوم المتعب في إسطنبول، يتحلق الناس حول التلفزيونات لرؤية مسلسل أرطغرل، والد عثمان الفاتح، مؤسس الدولة العثمانية، أو مسلسل عبد الحميد الثاني، وكان قبلهما مسلسل (وادي الذئاب)، وفي كل هذه المسلسلات تكاد تسمع وتشاهد أردوغان وفكره، وهو يتحدث عن الدولة التركية التي يحلم بها، ويحاول تسويقها للأتراك والمسلمين.
أخيرًا، أعتذر سلفًا إذا كانت مادتي لهذا اليوم ينقص جملها وتعابيرها حس الفكاهة، ولكن حاولت أن أعوّض عن ذلك بالتركيز على السخرية التي تعيشها البشرية عامة، في ظل حكومات، فقدت كل قيم التنوير والإنسانية.

*اللوحة للفنان السوري طلال أبو دان

مقالات ذات صلة

إغلاق