تحقيقات وتقارير سياسية

القانون رقم 10 يؤسس لسوليدير سورية

قبل أن تضع الحرب أوزارها، نشطت حركة أصحاب رؤوس الأموال وأثرياء الحرب من تجار السلاح والتعفيش، مع أصحاب النفوذ في النظام السوري، استعدادًا للمشاركة بقوة في إعادة البناء، لا سيما في مدن دمشق وحلب ودير الزور والرقة ودرعا وغيرها. وتنادى بعض أصحاب رؤوس الأموال، فأسسوا شركات على غرار شركة (سوليدير) في لبنان؛ بهدف جني الأرباح الطائلة ومضاعفة أموالهم، في أسرع وقت ممكن، مستغلين شراكاتهم مع كبار المتنفذين المدنيين والعسكرين، من أركان النظام السوري الذي هيّأ بدوره الأرضية لعمل تلك الشركات، حيث قام بتهجير ملايين السوريين، بعد أن دمّر بيوتهم التي أفنوا عمرهم في تعميرها، إلى خارج سورية، والكثير منهم لا يجرؤ على العودة، بسبب الملاحقة الأمنية، يضاف إليهم مئات الآلاف من المهجرين من بيوتهم في داخل سورية، وعشرات الآلاف من المعتقلين ومثلهم من المفقودين. كما قام النظام بتهيئة البنية التشريعية لعمل تلك الشركات، وتسهيل مهمتها في الاستيلاء على عقارات السوريين بأبخس الأثمان، كما حصل تمامًا في بيروت، عندما قامت شركة (سوليدير) بشراء العقارات بأسعار زهيدة، لتبيعها بأسعار خيالية.

وهكذا، بالتزامن مع تهجير غالبية سكان الغوطة الشرقية؛ أصدر ما يسمى “مجلس الشعب”، الذي يفترض أنه يمثل السلطة التشريعية، القانونَ رقم “10” لعام 2018، منح فيه السلطة التنفيذية تفويضًا مطلقًا، لإعادة تنظيم أي منطقة تريدها في سورية، خلافًا لما يؤكده بعض مسؤولي النظام من أن غاية القانون “10” تنظيم مناطق العشوائيات، أو المناطق التي طالها الدمار بسبب الحرب. فالمادة الأولى من هذا القانون جاءت واضحة وصريحة في إطلاقها (إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر… ضمن المخطط التنظيمي العام.. استنادًا إلى توفر دراسة جدوى اقتصادية معتمدة). والشرط الذي وضعته هذه المادة: “توافر دراسة جدوى اقتصادية معتمدة”، هو شرط مبهم، يسهل على السلطة التنفيذية تجاوزه بسهولة؛ الأمر الذي قد يقوّض الاستقرار العمراني والسكاني في سورية.

لم يكتف القانون بذلك، بل وضع شرطًا تعجيزيًا أمام المالكين؛ إذ فرض عليهم أن يحضروا لتثبيت ملكياتهم خلال فترة شهر، بأنفسهم أو من خلال أقربائهم حتى الدرجة الرابعة أو توكيل أشخاص عنهم، هذا الشرط المتمثل بقصر المدة سيشكل عائقًا أمام عدم تمكن ملايين الناس من الذين أجبِروا على ترك منازلهم، من الحضور؛ ذلك أن الكثير منهم ملاحق أمنيًا، كما أن هناك عائلات بأكملها تم تهجيرها، ولم يبق لهم لا قريب ولا حبيب، يمكن أن يعتمدوا عليه، حتى تنظيم الوكالات لمن هم خارج البلاد لن يحقق المطلوب، على اعتبار أن المطلوبين أمنيًا لا تقبل توكيلاتهم، فضلًا عن أن عملية التوكيل نفسها ستستغرق وقتًا طويلًا في الدراسة الأمنية، وقد يتعرض الوكيل للملاحقة، إذا كان التوكيل صادرًا عن شخص معارض للنظام؛ ما سيؤدي إلى عزوف الكثيرين عن قبول التوكيل.

ولكي يسهّل السيطرةَ على ممتلكات السوريين في المنطقة المستهدفة بالتنظيم وإعادة التنظيم؛ عدّ القانون “10” في المادة (22) منه المنطقةَ الخاضعة للتنظيم بموجب أحكام هذا القانون شخصية اعتبارية، تحلّ محل جميع المالكين وأصحاب الحقوق فيها الذين سيفقدون صفتهم القانونية، كمالكين مستقلين، التي تحميها المادة 768 من القانون المدني التي نصت على أن (لمالك الشيء وحده، في حدود القانون، حق استعماله، واستغلاله، والتصرف فيه). ويتحولون إلى مجرد مالكين لأسهم على الشيوع في منطقة تنظيمية واسعة. ويمنع عليهم إجراء عقود البيع أو الهبة أو التنازل أو حوالة الحق أو الرهن أو الإفراز أو ترخيص البناء، وهذا ما نصت عليه صراحة المادة 4 من المرسوم التشريعي “66” المعدل بالقانون “10”، التي سمحت لمالك العقار فقط بحق استعماله واستغلاله، إلى حين صدور قرار بإخلاء العقار تمهيدًا وتسويته بالأرض. وبعد الانتهاء من العملية التنظيمية، وإعلان جداول التوزيع النهائي للأسهم خلال مدة سنة؛ سمح القانون في المادة 16 منه (لمالكي الأسهم بيع حصصهم كليًا أو جزئيًا للغير..) والخروج من حالة الشيوع وتعقيداتها وتكاليف الإعمار الباهظة. وفي حال لم يقم المالك ببيع أسهمه خلال مدة السنة؛ فإنه سيضطر إلى الاختيار بين ثلاثة خيارات، أحلاها مرّ، خلال مدة ستة أشهر فقط من تاريخ إصدار الشهادات بالأسهم، عليه أن يختار إما التخصص بمقسم أو الدخول بشركة مساهمة، أو البيع بالمزاد العلني.

بالنسبة إلى خيار التخصص بمقسم، فهو ليس خيارًا بقدر ما هو شرط تعجيزي، ففي الواقع لن يستطيع شخص لوحده التخصص بمقسم، بل سيضطر إلى الاتفاق مع مجموعة من الأشخاص للتخصص بمقسم معين، بعد الاطلاع على المخطط التنظيمي للمنطقة، ومعرفة مواصفات الأبنية الناجمة عنه، لجهة عدد طوابقها ومساحتها وعدد الأسهم التنظيمية المطلوبة لتملك كل بناء، فإذا وجدت المجموعة أن التخصص مناسب لها، وأنها قادرة على تنفيذه وحدها كمجموعة؛ فإنها تتقدم بطلب جماعي للوحدة الإدارية المعنية، لأخذ موافقتها على تخصصيهم بهذا المقسم، في حال صدر قرار اللجنة بالموافقة على الطلب؛ يصبح المقسم “عرَصَة” معدة للبناء، ترسل اللجنة قرارها إلى السجل العقاري، لتسجيل “العرصة” على اسم الأشخاص المشتركين في المجموعة كشركاء على الشيوع في الصحيفة العقارية.

بالعودة إلى المرسوم التشريعي 82 لعام 2010، الخاص ببناء العرَصات الذي سيحكم عمليات بناء العرصات في المناطق التي سيتم إحداثها؛ نجد أنه فرض في المادة الثامنة منه على مالكي “العرصة” الحصول على رخصة بناء خلال سنة واحدة، وإذا لم تنجز الرخصة خلال سنة واحدة؛ فإن المادة 9 منه تفرض عليه رسمًا سنويًا قدره 10 بالمئة لمدة أربع سنوات، وفي حال انقضت مدة الأربع سنوات، دون أن ينجز رخصة بناء العرصة؛ وجب على المكتب التنفيذي للوحدة الإدارية بيعها بالمزاد العلني، وإيداع ثمنها لصاح المالكين في المصرف.

أما بالنسبة إلى خيار تأسيس شركة مساهمة مغفلة لاستثمار المقاسم المنظمة؛ فيستطيع المالك الذي لم يقم ببيع أسهمه رضائيًا أو التخصص بمقسم، اللجوء إلى هذا الخيار، لكن يجب عليه هنا أن “يقدّم أسهمه كحصة عينية في شركة مساهمة مغفلة، غايتها استثمار مقاسم في المنطقة التنظيمية بطريقة تجارية بحتة، وتوزيع الأرباح السنوية التي ستنتج عن عملها على المساهمين بهذه الشركة”، وفقًا للمادة 29/ آ.

لكن واضعي القانون في الفقرة “ل” من المادة 19 المعدلة للمادة “31”، من المرسوم التشريعي “66” لعام 2012، منحوا وزيرَ الإدارة المحلية حقَّ إيقاف العمل بهذا الخيار، في حال فشل المالكين في تأسيس الشركة، كأن يعجز المالكون عن تغطية الأسهم النقدية التي طرحوها على الاكتتاب العام، أو إذا رأى الوزير أن الشركة لم تحقق هدفها، استنادًا إلى مبررات اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية، وهو أمر غريب عجيب أن يُطلب من شركة تجارية غايتها الوحيدة الربح فقط أن يكون لها أهداف ثقافية واجتماعية، فهذا الشرط سوف يفتح الباب واسعًا أمام السلطة؛ للتحكم بكامل عملية التنظيم من بابها لمحرابها.

هنا يجب أن لا يغيب عن البال أن أصحاب رؤوس الأموال الذين سيملكون غالبية الاسهم في الشركة المحدثة ستكون الفرصة متاحة لهم، للسيطرة عليها والتحكم بمواردها، على حساب صغار المساهمين فيها الذين لن يتبقى لهم سوى الفتات.

أما خيار البيع بالمزاد العلني؛ فقد تمّ تخصيصه للحصص التنظيمية التي بقيت خارج عملية التخاصص لأي سبب كان -إذا لم يستخدم المالك أي من الخيارات الثلاثة أو تم رفض طلبه بالتخاصص او المساهمة في تأسيس شركة- حيث يتم جمع تلك الحصص في مقاسم تنظيمية، ثم يجري بيعها بالمزاد العلني، وفقًا للقانون الناظم لعقود الجهات العامة رقم “51” لعام 2004 على أن يراعي في بيعها مصلحة مالكي الأسهم كما يقول القانون.

باختصار شديد: إن النتائج التي ستتمخض عن تطبيق هذا القانون في ظل هذه الظروف المأسوية التي يعيشها السوريون، سواء أكانوا في مخيمات الشتات أم في داخل سورية، ستكون كارثية بحق أصحاب الممتلكات الأصليين من أراض وعقارات مبنية وخسارة ممتلكاتهم و”خروجهم من المولد بلا حمّص”، لمصلحة أصحاب رؤوس الأموال، ولا سيما أثرياء الحرب الجدد الذين استثمروا كثيرًا في الحرب وضحاياها، والذين يعدون العدة الآن لاستغلال هذه الفرصة الذهبية، بعد إنجاز البنية التحتية التي سيتكفل بها القانون رقم 10 لعام 2018.

وهكذا يكون معظم السوريين قد دفعوا من حياتهم دماءً كثيرةً، في حربٍ لا يُعرف متى تنتهي، كما أنهم سيكونون مهددين مستقبلًا في أن يدفعوا من حياتهم وحياة أبنائهم ثمنًا باهظًا للبيوت الجديدة التي ستبنيها (سوليدير سوريا)؛ إذا ما قيّض لهم أن يستطيعوا جمع ما يكفي لشراء مأوى فيها، تمامًا مثلما حصل لسكان وسط بيروت الذين اضطروا إلى بيع ممتلكاتهم بأثمان زهيدة.

نختم مع الدكتور عبد المنعم فرج الصدة الذي قال في كتابه أصول القانون لعام 1965/ ص 13: “إن القانون مرآة للبيئة من ناحية، ووسيلة إلى تقدمها وارتقائها من ناحية أخرى، فإذا لم يستجب القانون لظروف المجتمع وحاجاته؛ وُلد ميتًا، فلا يصادف نجاحًا في التطبيق. وإذا انحرف القانون عن مبادئ الجماعة، وتعارض مع آمالها؛ قاومته وثارت عليه”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق