مقالات الرأي

الأسد عدو الشعب الفلسطيني

قالت حلاقة الشعر الفلسطينية الستينية، وهي تُجفف شعري بحيوية وعصبية: “سئمنا من حكامنا الفلسطينيين والعرب. كلهم كاذبون، منذ سبعين عامًا وهم يبيعوننا وطنيات، وخصوصًا عائلة الأسد، من الجد إلى ولد الولد”، وأضافت: “حافظ الأسد أكبر جزار للشعب الفلسطيني، وفي نفس الوقت أكثر واحد تاجر في القضية الفلسطينية”.

الحقيقة أن تاريخ حافظ الأسد السياسي والعسكري والأمني يؤيد ما قالته الحلاقة الفلسطينية، حول تجارته بالقضية الفلسطينية لصالح دعم كرسيه كحاكم مطلق في سورية، ولرغبته العارمة في زعامة الأمة العربية من خلال الهيمنة على مسار القضية الفلسطينية باعتبارها قضية العرب الأولى، فمع بداية حكمه المطلق لسورية عام 1970، خاض معركة شاملة ضد الوجود الفلسطيني في الأردن، بهدف القضاء على ياسر عرفات، باعتباره أهم رمز لحرية الشعب الفلسطيني، فأغلق الحدود البرية أمام الفلسطينيين وبخاصة الفدائيين، في محاولة لتقزيم زعامته أمام منظمة (فتح) ومنظمة التحرير الفلسطينية بشكل عام، وأمام أبناء شعبه، ولكسب صمت الولايات المتحدة و”إسرائيل” عن التدخل السوري الواسع في لبنان، ومنذ ذلك التاريخ لم يعد النظام السوري يتعامل مع القضية الفلسطينية وفق الاعتبارات الأيديولوجية القومية، بل وفق اعتبارات برغماتية، قوامها تعزيز سلطة الأسد وهيمنتها، من خلال الإمساك بعدة أوراق على رأسها الورقة الفلسطينية.

بعدما كانت القيادة السابقة لحزب البعث قد احتضنت العمل الفدائي ودعمته، وشكّلت جناحًا خاصًا في الحزب باسم “طلائع حرب التحرير الشعبية” (قوات الصاعقة)، تحولت هذه المنظمة في العهد الجديد إلى مجرد فصيل إضافي (مع الجبهة الشعبية – القيادة العامة) يخضع للتوجهات السياسية السورية، في الهيمنة على الحركة الوطنية الفلسطينية التي كانت تمثلها حركة (فتح)، القائدة لحركة المقاومة الفلسطينية ولمنظمة التحرير، وهو ما عبّرت عنه برفعها شعار: استقلالية القرار الوطني الفلسطيني، وقد عملت (فتح) على تلافي الضغوط السورية السياسية والعملية على كيانات المقاومة، وعلى تحجيم القوى الممثلة للسياسة السورية في الساحة الفلسطينية؛ ما أدى إلى صدام بين الطرفين، نجم عنه في تلك الحقبة نشوء ذاكرة فلسطينية مشحونة بمأساة مخيم تل الزعتر، الذي عانى من الحصار الشديد ثم تعرّض لمذبحة نجم عنها تدمير المخيم وتهجير سكانه إلى أماكن أخرى في لبنان. وبالمحصلة فقد شكل الوجود السوري في لبنان خطرًا ماحقًا على الوجود الفلسطيني، وبعد غزو “إسرائيل” للبنان وخروج قوات المنظمة وكياناتها السياسية من بيروت؛ برز خلاف جديد بين النظام السوري ومنظمة التحرير الفلسطينية، عندما انتقلت قوات منظمة التحرير إلى اليمن وتونس والجزائر بدلًا من سورية، في محاولة منها للحفاظ على استقلالية القرار الفلسطيني، ولتجنّب الوقوع في إسار قبضة الأسد، وهو ما أدى إلى دعم الأسد للانشقاق في حركة (فتح) عام 1983، وتمكين المنشقين من السيطرة على مكاتب الحركة ومعسكراتها في سورية ولبنان، ثم شهدت الفترة بين عامي 1985 و1988 حربًا شعواء، شنّتها حركة (أمل) على المخيمات الفلسطينية في بيروت (صبرا، شاتيلا، برج البراجنة)، بدعوى محاربة النفوذ العرفاتي فيها، وكان واضحًا أن حركة (أمل) ما كان لها أن تشنّ تلك الحرب الوحشية؛ لولا توجيهات الأسد ومباركته، وقد نجم عن تلك الحرب تدمير أجزاء كبيرة من مخيمي صبرا وشاتيلا، كما نجم عنها مقتل المئات من الفلسطينيين، وتدمير بيوتهم البائسة أصلا، وهو ما أضاف إلى الذاكرة الفلسطينية المثقلة أصلًا بمأساة مخيم تل الزعتر، مأساةً أكثر ترويعًا.

في عام 2007، برزت ظاهرة ما سُمي (فتح الإسلام)، تلك الحركة المريبة في ظروف نشأتها في أحضان حركة (فتح الانتفاضة) المدعومة من النظام السوري، حتى إن قائدها شاكر العبسي كان نزيلًا في سجون المخابرات السورية، مما وضع علامات شكّ بشأن توظيفها في صراع الأسد الابن مع قوى 14 آذار/ مارس، بعد اغتيال الحريري، وقد نجم عن افتضاح أمر هذه الحركة أن الجيش اللبناني شن بذريعتها حملة عسكرية مدمرة نتج عنها تدمير مخيم آخر وتهجير سكانه بعد تل الزعتر وصبرا وشاتيلا.

بعد وصول رياح الربيع العربي إلى سورية؛ سارعت سلطة الأسد الابن إلى اتهام الفلسطينيين في بعض المخيمات بأنهم وراء ما يجري، في محاولة لنزع الطابع الوطني عن الثورة، والترويج لنظرية المؤامرة الخارجية، وهكذا فإن النظام السوري في حملاته على المناطق الثائرة لم يوفّر المخيمات الفلسطينية المجاورة لها، فقتل واعتقل وعذب وشرّد مئات الفلسطينيين، لمجرد كونهم يعيشون إلى جوار تلك المناطق، ومحاولاتهم تأمين المواد الطبية والتموينية لها، واحتضانهم للمنكوبين منها. في المقابل فإن كيانات الثورة السورية لم تطلب من اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات، المشاركةَ في الثورة، وتجنّبت في فعالياتها مخيماتهم.

مع ذلك، عملت الفصائل الفلسطينية المحسوبة على النظام، وهي معزولة جماهيريًا، وليس لها أي دور في المعادلات السياسية الفلسطينية، على بذل محاولات مريبة لزجّ المخيمات في الشأن السوري، ومن ذلك التصريحات العنترية وغير المسؤولة لبعض قيادييها، ومحاولاتهم بث الفتنة بين المخيمات وجوارها (بين مخيم اليرموك ومنطقة الحجر الأسود أو بين مخيم النيرب وقرية النيرب)، مع نشر الإشاعات المغرضة، وتوتير الأوضاع في المخيمات، لتغطية تسليح بعض الشبيحة من الفلسطينيين، وفي هذا الإطار يمكن فهم الحملة التحريضية التي نجم عنها جلب مئات الشباب من المخيمات إلى الحدود مع الجولان (حزيران/ يونيو 2011) تحت شعارات وطنية، مثل حق العودة واجتياز الحدود، علمًا أن “إسرائيل” -كما هو متوقع- لن تتركهم يجتازون الحدود، وستتعامل معهم على أساس خرقهم لاتفاقية الهدنة الموقعة بينها وبين الأسد الأب، ما نجم عن مجزرة قُتل وجرح فيها نحو ثلاثمئة شاب فلسطيني، تحت نظر الجيش السوري والفصائل المساندة للنظام طوال يوم كامل، وكان الغرض من ذلك الاستعراض الدموي تعويم نظام الأسد على أنه مقاوم وممانع، فيما هو في الحقيقة كان يحاول حجب الأنظار عن المجازر التي كان يرتكبها ضد انتفاضة الشعب السوري السلمية آنذاك، ومع أن مخيمات اللاجئين الفلسطينيين لم تُشارك في الثورة السورية، فإن جيش النظام استباحها جميعًا ونكّل بأهلها، وأفسح المجال لعناصر (داعش) الإرهابية لاحتلال مخيم اليرموك، بعدما قتل واعتقل وهجر معظم سكانه، وهو في هذه الأيام يبيده ويقتل ما تبقى من سكانه، تحت عنوان محاربة (داعش).

مقالات ذات صلة

إغلاق