تحقيقات وتقارير سياسية

الوصل والقطع مع قوى الثورة

انطلقت الثورة السورية بتظاهرات سلمية في 15 آذار/ مارس 2011، فانخرطت فيها قوى المعارضة السياسية السورية، بكل مكوناتها التي وقّعت على بيان “إعلان دمشق” في 16/ 10/ 2005، وعلى وثائق “المجلس الوطني لإعلان دمشق” الذي انعقد في 1/ 12/ 2007 بدمشق، وحضره 167 عضوًا.

شاركت المعارضة السياسية قوى الثورة التي نزلت إلى الشوارع، واحتلت ساحات المدن والبلدات، من كل النسيج المجتمعي بتياراته الفكرية والسياسية والمستقلين، مع غلبة وفاعلية الحراك الثوري من الشباب وطلبة الجامعات الذين أوجدوا أشكالًا من التنظيمات، كالتنسيقيات ومجالس الثورة ومن الإعلاميين.

واجهت المعارضة السياسية النظامَ منذ عام 1970 بالرفض والمقاومة، وكذلك واجهه مثقفون ومبدعون وأعضاء نقابات مهنية؛ فامتلأت سجونه بالمعتقلين، وقدموا الشهداء بمواجهة الاستبداد، ورفعوا شعار التغيير الوطني الديمقراطي، بدءًا من بيان ووثيقة “التجمع الوطني الديمقراطي عام 1979″، و”ربيع دمشق عام 2000/2003”.

شاركت المعارضة في الثورة واندمجت في الشعب، وعلّقت برامجها ومهامها الخاصة، وبرز وجه الشعب السوري؛ فرسم الحراك المدني السلمي لوحةً بديعةً، بتظاهراته ولافتاته ورقصه وأغانيه.

لكن الخيار العسكري وظاهرة الانشقاق في صفوف الجيش، دفعا إلى فرض آلية لحماية التظاهرات السلمية، ولحقّ الدفاع عن النفس سُهلت العسكرة؛ فتراجع دور قوى الثورة التي فجرتها باعتقالها واستهدافها، وهي نخب ثقافية ومن طلبة الجامعات الذين أسقطوا جدران الخوف.

في هذه المرحلة، تعثرت الثورة ودخلت أزمتها، وأصبحت قضيةً إقليمية وعربية ودولية، واخترق صفوفها المالُ السياسي، وتدخلت الجيوش الأجنبية والغرباء في الشأن السوري.

تغلّب هذا الوجه الرمادي على وجه الثورة المدني والسلمي المشرق، وظهر التطرف، فلم تمارس المعارضة السياسية السورية جدلية الوصل والقطع مع قوى الثورة الأخرى، وربما عجزت عن القيام بهذه المهمة لقطع نسغ الحياة السياسية، وأصاب الوهن النخبَ الديمقراطية، وتغولت السلطةُ على الدولةَ والمجتمع، وفرَّغت تعبيرات المجتمع المدني من أي مضمون مدني أو مطلبي.

هيمنت قوى الثورة في الخارج على قواها في الداخل، وعلا صوت البندقية على صوت العقل والسياسي، وتقدّم التطرف على صوت الثورة الحر والشفاف: “الشعب بدو حرية”، ولم تحمِ قوى الثورة علمها -علم الاستقلال- وهزمَت بعضُ الأعلام البيضاء والسوداء والصفراء والخضراء علمَ الثورة.

كان على قوى المعارضة السياسية أن تقوم بعملية قطع مع بعض “قوى الثورة المضادة”، وأن تستمر في أداء المهام الوطنية في صفوف الشعب، وكان عليها أن تُؤكد غلبة الدور السياسي على دور البندقية، وتنتقد صوت التطرف الذي أخذ يعلو، وظهر دور المحاكم الشرعية، وتنحى دور الهيئات المدنية الحقوقية، وصولًا إلى ظاهرة الإرهاب واستدعاء التحالف والتدخل الدولي.

خفَت صوت المعارضة السياسية، وضاعت الرؤيا والحدود بين الداخل والخارج بتسليك من المال السياسي، ولم تقم هذه المعارضة بدور المنقذ، ولم تقطع مع قوى الثورة التي تبنّت هذا الخيار والبعضُ بخّره، ولم تقم بعملية الوصل مع وجه الثورة الآخر النقي والشفاف، وقد أخذ ينكفئ، وبالنتيجة لم تستطع أن تتصدر وأن تفرض نفسها، وتقود المرحلة التي انزلقت إليها الثورة بعيدًا من البديل المدني الحديث.

لقد أضاعت المعارضة السياسية، في هذه المرحلة، دورًا إيجابيًا كان يمكن أن تقوم به، حسب جدلية الخاص والعام، والوصل والقطع مع قوى الثورة، واندفع البعض -بغباء أو بخبث- لإبعادها عن دورها الوطني؛ فخدم ذلك أجندات داخلية وخارجية ودولية، فتعثرت الثورة ودخلت عامها الثامن كسيحة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق