ترجمات

كيف تعوق وسائل الحرب الإلكترونية الروسية العمليات الحربية الأميركية في سورية

الصورة: mil.ru

 

قال أحد الجنرالات الأميركيين: “بسبب أعمال خصمٍ مجهولٍ بالنسبة إلينا؛ يجد جنودنا في سورية أنفسهم في أكثر الظروف العدائية إلكترونيًا في العالم”. ومن المفهوم، أنّ المقصود بالخصم المجهول روسيا، التي تستخدم بكثافة وسائل الحرب الإلكترونية في سورية. فما هي قدرات منظومات الحرب الإلكترونية الروسية، ولماذا يخشونها إلى هذه الدرجة؟

خلال الاجتماع المغلق لمنتدى GENOIT 2018، شكا قائد العمليات الخاصّة في القوات المسلحة الأميركية الجنرال رايموند توماس، من أنّ “الأعداء” يتنصتون على أنظمة الطائرات الأميركية في سورية. ولم يحدّد الجنرال ما يقصده بالأعداء، ولكنّه وصف الوضع الحالي للحرب الإلكترونية بـ “الأكثر عدائيةً في العالم”. وبالمناسبة، عبّر إصدار Drive، وهو ينقل مقتطفات من حديث الجنرال، عن الثقة بأنّ الأمر يتعلّق بروسيا. وأضاف رايموند: “إنَّهم يختبروننا كلّ يوم، ويشوشون على اتصالاتنا، ويعطلون طائرات الدعم الناري AC- 130”.

سبق لقناة NBC التلفزيونية أن أعلنت، استنادًا إلى مسؤولين أميركيين لم تسمّهم، أن روسيا قامت بتعطيل إشارات الطائرات المسيّرة الأميركية في سورية؛ مّا أثر تأثرًا كبيرًا في العمليات الحربية الأميركية هناك. ويدّعي الأميركيون أنّ العسكريين الروس بدؤوا التشويش على الطائرات الأميركية غير المأهولة، “بعد سلسلة الهجمات الكيمياوية المزعومة في الغوطة الشرقية”.

لا يرى رئيس تحرير مجلة (أرسنال الوطن) ألكسي ليونوف، أنّ سورية قد أصبحت في حالة غير مسبوقة، من حيث استخدام المعركة الإلكترونية، إذ تحدّث قائلًا: “في واقع الأمر، ترك الاعتياد الأميركي على خوض الحروب ضدّ خصومٍ ضعاف أثره. بعد عام 1991، دخلت الولايات المتحدة الأميركية في نزاعاتٍ مع دولٍ تمتلك وسائل حربٍ إلكترونية ضعيفة أو أنّها لا تمتلكها أساسًا”. وبحسب تقيين ليونوف، تتخلّف الولايات المتحدة الأميركية بشكلٍ واضح عن روسيا، من حيث فعالية وسائل أدوات الحرب الإلكترونية، ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى أنّ الأميركيين أنفسهم توقفوا عن إيلاء هذه التكنولوجيا الاهتمام الكافي. ويذكّر الخبير أنّه منذ تسعينيات القرن الماضي، وأثناء حرب الخليج، استخدم الأميركيون بكثافة وسائل الحرب الإلكترونية؛ لأنّ الجيش العراقي كان متطورًا بدرجةٍ معقولة، وكان يلزم عدم السماح لوسائل الدفاع الجوي والاستخبارات، باكتشاف حشود القوات الأميركية على محاور الهجوم الرئيسية.

ولكنهم فيما بعد تراخوا، ومنذ ذلك الوقت لم يطوروا سوى منظومةٍ فعالةٍ واحدة على قاعدة طائرة (F-18)، من أجل تغطية مجموعات الطائرات. وأضاف ليونوف: “أما روسيا فلم تراوح في مكانها. الآن، عندما اطّلع الأميركيون على منظومات الحرب الإلكترونية الروسية؛ اعترفوا بأنّها من الأفضل عالميًّا”. وأكّد المتحدث: “تكمن خاصيّة أجهزة الاتصال الأميركية بالعمل ضمن مجال (- K). نحن نعرف تمامًا هذا المجال، ولهذا بالتحديد اخترناه لبناء منظومات الحرب الإلكترونية، التي يمكنها التشويش على الإشارات، والتقاط المكالمات التي تعمل ضمنها”. وقال: “إضافة إلى ذلك، يستخدم الأميركيون، في سورية بشكلٍ خاص، وسائل الحرب الإلكترونية المركبة على متن الطائرات، في حين نشرت روسيا وسائل حربها الإلكترونية على الأرض. ومن المعروف أنّ الأنظمة الأرضية تكون أكثر قوّةٍ من الأنظمة الجويّة بسبب إمكانات الطاقة المغذية”.

حول هذا الموضوع، سبق لرئيس إدارة الحرب الإلكترونية السابق لدى القوات البريّة الأميركية، لوري باكهورت أن قال: “مشكلتنا الأخطر أنّنا لم نحارب، خلال عشرات السنين، في ظروف التشويش على اتصالاتنا، ولهذا نحن لا نجيد القتال بهذه الطريقة. نحن لا نمتلك التكتيك وأدوات العمل وأساليب تنفيذها، بل ليس لدينا التهيئة الكافية للقيام بأعمالٍ قتالية، في ظروف غياب وسائل الاتصال”.

بعد تصريح الجنرال توماس، أعلن مجلس الفدرالية أن ليس لموسكو علاقة بإخراج أنظمة الطائرات الأميركية الإلكترونية في سورية من العمل. وصرّح النائب الأوّل للجنة المجلس الفدرالي للدفاع والأمن يفغيني سريبرينيكوف لوكالة أنباء (ريا): “لا أعرف من يقصدون بالخصوم، وهذه الادعاءات لا أساس لها”.

غير أنّ نفي موسكو اشتراكها في التشويش على أجهزة الاتصال العسكرية الأميركية، لا يعني أبدًا أنّ روسيا لا تستخدم وسائل الحرب الإلكترونية في سورية. وهذا يتعلّق بشكلٍ خاصّ بصدّ محاولة الهجوم الأخير بواسطة طائراتٍ مسيّرة عن بعد على قاعدة حميميم الجوية، حيث استخدمت وسائل الحرب الإلكترونية إلى جانب منظومات (بانتسير- C) المدفعية والصاروخية. ووفقًا لمعلومات مصادر صحيفة (إزفستيا)، قامت وسائل الحرب الإلكترونية بإسكات إشارات الطائرات المهاجمة، بعد اكتشافها على مسافة 10 كم، ومن ثمّ تخريب نظام الملاحة والتوجيه عليها.

اعترف الخبير البريطاني في شؤون القوات المسلّحة الروسية روجر ماك ديرموت بالفاعلية العالية لوسائل الحرب الإلكترونية الروسية، وعبّر عن قناعته بأنّ روسيا عظَّمت إمكانات الحرب الإلكترونية، وحصلت على نتائج مذهلة. وبحسب كلماته، فعلى عكس (الناتو)، قامت روسيا بإجراء تكامل بين قيادة القوات، الاتصالات، الاستخبارات، الفضاء، وسائل السيبرنيكا والحرب الإلكترونية.

بداية كانون الثاني، حاولت 13 طائرة (درون) مزودة بقنابل يدوية الصنع، مهاجمة قاعدة حميميم والقاعدة البحرية في طرطوس، أسقطت منظومة (بانتسير) 7 منها، بينما تعاملت وسائل الحرب الإلكترونية مع الستة الأُخرى. ويفترض بعض الخبراء أيضًا، أنّه أثناء الضربة الصاروخية الأميركية الأخيرة تمّ استخدام وسائل التوجيه الراديوية للتعامل مع بعض الصواريخ المجنّحة وحرف مسارها؛ ما أدّى إلى عدم وصولها إلى أهدافها. ولكن في الوقت نفسه، شكّك بعض الخبراء بدقّة هذا الأمر، آخذين بالحسبان تعقيد أنظمة التوجيه الراديوي لصواريخ (توماهوك).

فما هي بالضبط وسائل الحرب الإلكترونية التي استخدمت في سورية؟ بالطبع ليس هناك تفاصيل مماثلة في الإعلام المفتوح، بسبب نظام السريّة الصارم المفروض على هذه الحرب. ومع ذلك، وصلت إلى الإعلام معلوماتٌ متقطعة، بما في ذلك نتيجة نشاط المدونين السوريين الذين قاموا عدّة مراتٍ بالتقاط صورٍ لنماذج التسليح الروسي. وبهذا؛ عُلم بشأن وصول منظومات التشويش الإلكتروني- الراديوي (كراسوخا) وطائرات (مي- 8) التي تحمل منظمة التشويش (ريتشاغ- AB) إلى قاعدة حميميم. وفي نهاية آذار، نقلت وزارة الدفاع إلى سورية أحدث الطائرات المروحية من طراز РЭБ МИ-8 МПР- 1.

المعروف عن وسائل الحرب الإلكترونية قليلٌ بعض الشيء. فمنظومة (كرا سوخا) دخلت خطوط الإنتاج عام 2011، وصمّمت عدةُ أنواعٍ منها، أقواها طراز (كراسوخا-4) و(غلوشيت) التي هي عبارة عن رادراتٍ محمولة على المعدّات الطائرة، ومن ضمنها الطائرات غير المأهولة والصواريخ المجنّحة. أمّا منظومات (أوبيتسا) إلكترونيكي (قاتل الإلكترونيات) و (ريتشاغ- AB) فهي تنتمي إلى أحدث طراز، ودخلت الخدمة في الجيش عام 2016 فقط. وتستطيع هذه المنظومات تعطيل أجهزة الطائرات الملاحية والطائرات غير المأهولة وكذلك الصواريخ المجنّحة.

يرى بعض المراقبين أنّه تمّ في سورية استخدام منظومة كشف الأهداف (موسكو-1)، المخصّصة لكشف مصادر الإشعاع في مجالات ذبذبةٍ راديوية متنوعة. إضافة إلى ذلك، كما كتبت صحيفة (فزغلياد)، فإنّ طائرات سوخوي العاملة في سورية جميعها مزودة بوسائل الحرب الإلكترونية. وبشكلٍ خاصّ منظومة ХИБИНЫ التي رويت الأساطير حول قدرتها على التشويش على أنظمة المدمرة الأميركية (دونالد كوك). غير أنّ الخبراء أشاروا إلى أنّ قدرة هذه المنظومة محدودةٌ للغاية في واقع الأمر، ولا تكفي “للتشويش” على المدمرات الأميركية.

فما الذي تستطيع وسائل الحرب الإلكترونية فعله في حقيقة الأمر؟ في مقابلة له مع قناة RT، قال الخبير العسكري ديمتري دروزدينكو: إنّ هذه الأنظمة تستطيع التشويش على قنوات الاتصال، وخاصّة في نطاق الذبذبات التي يستخدمها العسكريون الأميركيون لتبادل المعلومات. وأوضح الخبير: “بنتيجة الأمر لا تصل المعلومات من مركز القيادة إلى الوحدات العاملة وبالعكس، وبذلك تصبح القوات المسلحة عمياء في واقع الأمر. وإذا قامت وحدات الرادار بتعقب المحيط حولها؛ فإنّها لا ترى الأهداف الحقيقية فقط، بل عددًا كبيرًا من الأهداف الوهمية أيضًا”.

من جانب آخر، أكّد ألكسي لينكوف أنّ وسائل الحرب الإلكترونية تعمل وفق مبدأٍ واحد: تنفيذ مهمّات الاستطلاع، أي تحديد الترددات، وأنظمة عمل الاتصال والملاحة، وأمكنتها. بعد ذلك يبدؤون إخماد الإشارات. وأوضح الخبير: “بما أنّ استطاعة هذه الإشارات أقوى من إشارة الأجهزة المستقبلة- المرسلة؛ تتمّ عملية الإخراس بفاعلية ضدّ وسائل الاتصال والاستطلاع والملاحة”.

وكما أشار الجنرال الأميركي توماس، تُعدّ طائرات (AC-130) هدفًا مناسبًا لأنظمة الحرب الإلكترونية. وتعتبر طائرة (لوكهيد/ AC-130) بطارية طائرة، لتقديم الدعم المباشر لوحدات المشاة في أرض المعركة، وصُمّمت على قاعدة طائرة النقل (C-130)، وزودت ببضعة أسلحة مدفعية. وتعتمد الطائرة على دعم القوات الحليفة، وإذا عُطِّلت قنوات اتصالاتها؛ فإنّها لا تستطيع تمييز الأهداف ليلًا، وفي النهار لا تستطيع تمييز الأهداف الصديقة من المعادية. وهذا يعني، بالطبع، أنّها إن استطاعت المهاجمة، فسيكون خطر استهدافها الوحدات الصديقة كبيرًا.

علاوةً على ذلك، يرى الجنرال وجود خطر تأثير وسائل الحرب الإلكترونية الروسية حتى على طائرة الحرب الإلكترونية EC- 130H Compass Call، التي من بين مهامّها الكشف عن مصادر تشويش العدوّ، ونقل المعلومات عنه إلى الحلفاء لمهاجمته. غير أنّ وسائل الحرب الإلكترونية لدى الأعداء قادرة على اختراقها، وجعل القوات الأميركية هدفًا لضرباتها.

وقد أكّد الجنرال الأميركي أنّ التشويش، بمساعدة إشارات المرسل والمتلقي GPS، يمكن أن يجعل من غير الممكن على السفن الحربية مهاجمة الأهداف، وأن يخلق مشاكل في أنظمة الملاحة. وإضافة إلى ذلك، يمكن عبر وسائل الحرب الإلكترونية قطع الاتصال بين المشغلين والطائرات غير المأهولة؛ مّا يؤدي إلى خسارتها.

وأشار الجنرال توماس إلى أنّ روسيا لا تستخدم الآن وسائل الحرب الإلكترونية في سورية بكامل طاقتها، وإذا ما بدأت بذلك، فإنّ الولايات المتحدة الأميركية ستفقد الاتصالات في هذه المنطقة. وقد أشار قائد إدارة الحرب الإلكترونية السابق في القوات الأميركية البريّة، الجنرال لوري باكهوت إلى أنّ الولايات المتحدة الأميركية لا تمتلك تلك الإمكانات الواسعة من وسائل الحرب الإلكترونية، التي تمتلكها روسيا. وصرّح: “لدينا استطلاعٌ راديويٌّ جيد، وبإمكاننا التنصّت على كلّ شيء، ومع ذلك لا نملك عُشر إمكانات وسائل الحرب الإلكترونية، التي تمتلكها روسيا”.

والسؤال: من أين للجنرالات الأميركيين هذا الكمّ من النقد الذاتي، وكلّ هذا المديح الذي يكيلونه للروس؟ يمكن أن يكون ذلك مقصودًا، على سبيل المثال، كمحاولة للحصول على مخصصاتٍ ماليّة جديدة في الميزانية العسكرية التي ستجري مناقشتها، يوم الخميس في مجلس النواب.

 

اسم المقالة الأصليةКак российские комплексы РЭБ мешают американским военным в Сирии
كاتب المقالةأندريه ريزتشيكوف/ نيكيتا كوفالينكو
مكان وتاريخ النشرصحيفة فزغلياد. 26 .04.2018
رابط المقالةhttps://vz.ru/politics/2018/4/26/919811.html
ترجمةسمير رمان

 

مقالات ذات صلة

إغلاق