أدب وفنون

“الشَسْمه” المنتصر في زمن الحروب

مونولوجات وحضور على المستوى السردي تؤديها الشخصيات، فلا تكون حصرًا على الراوي أو أبطاله: القط نابو، باهر السعيدي، زينة، دانيال الغائب، أم سليم البيضة، أم إيلشوا، أبو أنمار صاحب الفندق، نوال، فريد شواف مصمم المجلة، محمود الصحافي، المصور حازم عبود، فرج الدلال، العميد سرور، أبو سليم الجالس في شرفته يراقب حركات المارة في الشارع، وعزيز المصري صاحب المقهى… مما يجعل هذا الخطاب مفتوحًا على أفقٍ متغيّر تبعًا لسارده، ومستوى تعاطيه مع نفسه ومع الفعل الذي أدى إلى وجوده؛ وبذلك، لا تشكِّل البطولة في رواية (فرانكشتاين في بغداد) لكاتبها أحمد سعداوي قطبًا أوحد، بل حضورًا تختلف سطوته. وقد يتقدّم فيه هادي العتاك خطوات عن البقية لينحِّيه جانبًا “الشسمه” الذي يعتبر العتاك أباه، فهو من جمَّعهُ من جثث الضحايا، وهذه التغيرات الخطابية على محور النص الروائي تضفي عليه رؤية مجتمعية واضحة، تؤكدها وحدة المكان والزمان، ويكتمل مشهد الحي (البتاويين) الذي يشكِّل البيئة المناسبة لتحميل الأنساق المختلفة فكريًا ودينيًا واجتماعيًا، على عاتق وحدة المكان ومرجعيته، وما يحمله من إشكالات غامضة، وكان التوظيف موفقًا بلا ريب.

أما البعد الزماني المحدّد للرواية، فإنه لا يتعدى عشر سنوات، تبدأ في ربيع 2005 وتنتهي في شتاء 2006، فهي الفترة التي تتوسط الحرب العراقية، لكأنه مشهد عام على ما يحصل في شوارع بغداد، وتم اختياره لكونه الزمن اللُّب، حيث تصاعد الأحداث وسرعتها بأعلى حالاته.

أما البعدُ الزمكاني الحقيقي، فقد يبدأ مع أول حرب عاصرتها البلدان العربية، ولا ينتهي بانتهاء الأخيرة، فالرواية حالة رصد لعوالق الحروب من ساسة وتابعين ومتبوعين وحضور للسحرة والمجانين في ممرات الدولة، وغياب الوعي الكلّي، في حضور الوحشية المفرطة والضحايا والجثث واختفاء القيم الأخلاقية والمرجعيات الإنسانية، وظهور الطائفية والفوضى بكامل عبثيتها.

من فكرة البحث عن جثة مفقودة، لم يتم العثور عليها؛ ما يجعل الحل الوحيد هو جمع بعض الأشلاء لجعلها جثة واحدة كاملة، ومن تناص مع رواية (فرانكشتاين) للمؤلفة البريطانية ماري شيلي صدرت سنة 1818، حينما يحاول طالب اسمه فرانكنشتاين استخدام ذكائه في خلق كائن هائل الحجم من المادة وحدها، ليبعث فيها الحياة، من محرِّضَيْن واضحين تنشأ فكرة الرواية، ليتحوّل الكائن الهامشي هادي العتّاك الذي يعتاش على جمع الخردة والعاديات، من البيوت والشوارع في دكّانه، وإعادة تجميعها وإصلاحها لبيعها مجددًا، إلى بطل ومجرم في آن معًا، حينما قرر أن يجمع بعض أشلاء ضحايا التفجيرات ليشكّل منها جسدًا بشريًا واحدًا، لا قرابة بين أعضائه ليتشكّل “فرانكشتاين” أو “الشَسمه” (الذي لا اسم له) كائن مشوّه جاء بتشكيلِ يدي العتاك، ولكنّه في الحقيقة هو خليقة الحرب، حيث تشوّهه النفسي والجسدي هو تشوه جَمعي خلَّفه وجودها. فجأة تشتعل الروح في هذا الجسد اللابشري الذي لا يمكن قتله بأي وسيلة، وتبدأ معركته التي بدأت بكونه جاء للثأر من القتلة والمجرمين، ولجلب السَّكينة إلى قلوب الضحايا وإحلال العدالة:

“لقد تحرّكت أخيرًا تلك العتلات الخفية التي أصابها الصدأ من ندرة الاستعمال، عتلات لقانون لا يستيقظ أبدًا، اجتمعت دعوات الضحايا وأهاليهم مرّةً واحدة ودفعت بزخمها الصاخب تلك العتلات الخفية، فتحركت أحشاء العتمة وأنجبتني، أنا الرد على ندائهم برفع الظلم والاقتصاص من الجناة…”.

لينتهي الأمر بتحوّل هذا المنقذ إلى مجرم أشد إجرامًا من أسلافه، ويبدأ القتل بدافع الحفاظ على البقاء وحده، كدميةٍ تحرّكها الوحشية والغرائزية، فكان لفكرة كون كل واحد منا هو جزء من هذا التّشوه، ويساهم في وجوده بطريقة أو بأخرى، في حيّز يغدو فيه القتل بهدف القتل. ومن هنا حصلت الرواية على قيمة لا حدود لها باعتبارها بالمجمل عملًا يظهر العراق استدلالًا صالحًا للتعميم.

حضور الصحافة التي تبحث عن السكوب ببراءة الاكتشاف والوصول إلى الحقيقة، ينافسه حضور الساسة من خلال وجودها الأمني والمخابراتي في دائرة المتابعة والتعقيب، مستخدمين كافة الوسائل حتى السحرة والمشعوذين، يجعل البحث، عن المجرم الخطير الهارب الذي يهدد السلطة وقواها، يسير في سياق السخرية، وتصهر النص في مدار التراجيديا السوداء التي هي عنوانه الحتمي.

وسط هذا الخراب، يجد المهمَّشون والمسحوقون خلاصهم من عدميتهم، في محاولة الظهور والوجود بصيغة مختلفة، لكنّها في النهاية لم تكن سوى جزء مع اللاجدوى والعدمية التي تطفو على مستنقع الحروب، ويجدُ الروائي منفذًا ليقدّم -ولو رمزيًا- لحضور ثلاثة أديان، من خلال إشارات تدلّ على تنوّع الحضارة العراقية ونسيجها. وبحضور خجول للمرأة بجسدها كحالة جمالية وشعورية، كان لا بد من حضور بعض الإيحاءات المنسجمة مع الشاعرية بشغف، في نسيج لم يشكّل نشازًا مع الإيقاع العام البوليسي للرواية. هكذا باشتغال على محوري الحقيقة (الواقع) والسوريالية (الفانتازيا) جاءت الرواية في فصولها التسعة عشر، وبصفحاتها كاملة (350 صفحة) من الهامش حتى المتن، أحد أهم المؤلفات التي تحدثت عن الحروب بلغة بسيطة قريبة من القارئ كي لا يُغرقه الثقل اللغوي، وليترك له مساحة كافية لتقبّل وجود هذا الوحش اللابشري، وبذلك حصل التوازن الذي يخدم العمل ككل.

لم تنته الرواية في مكان ما أو زمن ما، فقد تمّ اعتقال العتاك على أنه هو المجرم الخطير، فيما ذاك الشبح يتجول في فندق مهجور، ينظر إلى فرحة النّصر في عيون الناس، مثله مثل الكثيرين الذين ينظرون من خلف نوافذهم بلا ردات فعل، كأنهم أرادوه ألا يتوقف فما زال البعض يعتبره المنقذ.

مقالات ذات صلة

إغلاق